فهرس الكتاب

الصفحة 3499 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ } ، يعني بيعةَ الرِّضوان بالحديبيةِ ، { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } بايَعُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم على أنْ لا يفِرُّوا ويقاتِلُوا ، بايعَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم تحتَ شجرةٍ استظلَّ بها بالحديبيةِ ، وكان الذين بايعوهُ نحوَ ألفِ رجُلٍ وخمسمائة رجل ، بايعوهُ على النُّصرَةِ والنُّصحِ والسمعِ والطاعة ، وأن لا يفِرُّوا من العدوِّ.

ومعنى الآيةِ: إنَّ الذين يُبايعونكَ يا مُحَمَّدُ بالحديبيةِ على أن لا يفِرُّوا ، إنما يُبايعُون في ذاتِ الله ، ليس أنتَ المرادُ بذلك ، بل المرادُ به القيامُ بعبادةِ الله. وَقِيْلَ: المرادُ بذلك أنَّهم بَاعُوا اللهَ أنفُسَهم بالجنَّة.

وقولهُ تعالى: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } ، أي نِعمَةُ اللهِ في الهدايةِ فوقَ أيديهم في الطاعة ، يعني إحسانَ اللهِ إليهم بأن هدَاهُم للإيمانِ أبلغُ وأتَمُّ من إحسانِهم إليكَ بالنُّصرة والبيعةِ ، وقال ابنُ كَيسان: (مَعْنَاهُ: قُوَّةُ اللهِ وَنُصْرَتُهُ فَوْقَ أيْدِيهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ ؛ أي اتَّقِ باللهِ وَنُصْرَتِهِ لَكَ لاَ بنُصْرَتِهِمْ ، وَإنْ بَايَعُوكَ) ، وقال: مَعْنَاهُ: يَدُ اللهِ فِي الثَّوَاب وَالْوَفَاءِ لَهُمْ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الوفاء ، فَإنَّهُمْ لَوْ وَفَّوا بمَا ضَمِنُوا فَاللهُ أوْفَى بمَا ضَمِنَ ، وَأقْدَرُ عَلَى ذلِكَ). واليدُ ههنا هي القُدْرَةُ.

قولهُ: { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } ؛ أي مَن نقضَ عقدَ البيعةِ فضررُ نقضهِ عائدٌ عليه ، وليس له الجنَّةُ ولا كرامةٌ ، { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ } ؛ مِن البيعة فتَمَّ على ذلك واستقامَ ، { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } ؛ فسيعطيهِ اللهُ في الآخرةِ ثَوابًا عظيمًا في الجنة.

ورُوي أنَّ هؤلاء المبايعين لم ينقُضْ أحدٌ منهم البيعةَ ؛ لأنَّهم كانوا مُخلِصين ، ولذلك قالَ اللهُ { لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } [الفتح: 18] رضاهُ عنهم دليلٌ على أنَّهم كانوا مُؤمنين على الحقيقةِ ، أولياءَ الله أهلَ النُّصرة ، والذي لَمْ يدخُلْ معهم في البيعةِ يومئذٍ إلا رجلٌ من المنافقِين يقال له جَدُّ بن قيسٍ ، اختبأ يومئذ تحتَ إبطِ بَعيرهِ ولم يدخُلْ في بيعتِهم ، أماتَهُ اللهُ على نفاقهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت