فهرس الكتاب

الصفحة 3052 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } ؛ أي هربَ من قومهِ إلى السفينةِ المملوءَةِ بالناسِ والدواب ، وإنما هربَ لأن الله كان أوعدَهم بالعذاب إنْ لم يؤمِنُوا فلم يؤمنوا ، وعلِمَ أنَّ العذابَ نازلٌ بهم ، فخرجَ من بينِهم من غيرِ أن يأمرَهُ اللهُ تعالى بالخروجِ ، فكان ذلك دينًا منه وكان قصدهُ حين خرجَ منهم للمبالغةِ في تحذيرِهم وإنذارهم ، فكان بذهابهِ كالفارِّ من مولاهُ ، فوُصِفَ بالأبَاقِ.

وقولهُ تعالى: { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } ؛ وذلكَ أنه لَمَّا رَكِبَ السفينةَ ، وقفَتِ السفينةُ ولم تَسِرْ بأهلِها ، فقالَ الملاَّحون: ههُنا عبدٌ آبقٌ من سيِّدهِ ، وهذا رسمُ السفينة إذا كان فيها عبدٌ آبقٌ لا تجرِي ، واقترَعُوا فوقعتِ القُرعَةُ على يونسَ فقال: أنا الآبقُ ، { فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ } .

قال سعيدُ بن جبير: (لَمَّا اسْتَهَمُوا جَاءَ حُوتٌ إلَى السَّفِينَةِ فَاغِرًا فَاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبهِ ، كَأَنَّهُ يَطْلُبُ وَاحِدًا مِنْ أهْلِهَا ، فَقَالَ يُونُسُ: يَا أهْلَ السَّفِينَةِ أنَا الْمَطْلُوبُ مِنْ بَيْنِكُمْ ، فَقَالُواْ: أنْتَ أكْرَمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ أنْ يَبْتَلِِيكَ بمِثْلِ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ ، فَقَالَ لَهُمْ: اقْتَرِعُوا فَمَنْ خَرَجَتِ الْْقُرْعَةُ عَلَى اسْمِهِ أُلْقِيَ إلَى الْحُوتِ ، وَكَانَ يَعْلَمُ أنَّ الْقُرْعَةَ تَخْرُجُ عَلَيْهِ ، إلاَّ أنَّهُ لَمْ يَبْدَأ بإلْقَاءِ نَفْسِهِ إلَى الْحُوتِ مَخَافَةَ أنْ تَلْحَقَهُ سِمَةُ الْجُنُونِ ، فَسَاهَمَ فَوَقَعَ السَّهْمُ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنَ الْمَسْهُومِينَ) .

وَالْمُدْحَضُ في اللغة: هو المغلوبُ في الحجَّة ، وأصلهُ من دَحَضَ الرجلُ إذا نزلَ مِن مكانهِ ، فلما أُلقِيَ عليه السُّلَّمُ في البحرِ ابتلعَهُ الحوتُ ابتلاعَ اللُّقمَةِ.

وقولهُ تعالى: { وَهُوَ مُلِيمٌ } ؛ أي أتَى بما يستحقُّ عليه اللّومَ ، والْمَلِيمُ: الآتِي بما يُلائِمُ على مثلهِ ، وسببُ استحقاقهِ اللَّومَ خروجهُ من بين قومهِ قبل ورُودِ الإذنِ عليه مِن اللهِ تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت