قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ } ؛ اختلَفُوا في خَطِيئَةِ داودَ عليه السلام والذي هو مستفيضٌ بين العوَامِّ ما ذكرَهُ الكلبيُّ: (أن داودَ عليه السلام كان يُصَلِّي ذاتَ يومٍ في محرابه ، والزَّبُورُ منشورٌ بين يدَيهِ ، إذ جاءَهُ إبليسُ في صُورةِ حَمامةٍ من ذهَبٍ فيها كلُّ لونٍ حَسَنٍ ، فوقفت بين يديهِ فمَدَّ يدَهُ ليأخُذها ، فطارَتْ غيرَ بعيدٍ من غيرِ أن توَسِّد من نفسِها ، فامتدَّ إلَيها ليأخُذها فطارت حتى وقعَتْ في الكُوَّة ، فذهبَ ليأخُذها فطارَتْ من الكوَّة ، فجعلَ داودُ عليه السلام ينظر أين تقعُ ، فأبصرَ امرأةً في بُستان تغتسلُ ، وإذا هي من أعجَب النِّساء وأحسَنِهنَّ ، وأعجبتهُ ، فلما حانَتْ منها التفاتةٌ أبصرَتْهُ فأسبَلَتْ شعرَها على جسمِها فغطَّى بدنَها ، فزادَهُ ذلك إعجابًا بها. فسألَ دواد عنها وعن زوجِها ، فقالوا اسمها تشايعُ بنت شائعٍ وزوجُها أوريَّا بن حنانا وهو غائبٌ في غُزَاةٍ بالبلقاء مع أيُّوب بن صوريا ابنِ أُخت داود ، فكتبَ داودُ إلى ابنِ أُخته: اذا أتاكَ كِتَابي هذا فابعَثْ أوريا إلى موضعِ كذا وإلى القلعةِ الفلانيَّة ، ولا يرجِعُوا حتى يفتَحوها أو يُقتلوا. فلما جاءَ الكتابُ نَدَبَهُ وندبَ الناسَ معه ، فأتَوا القلعةَ فلما أتَوْها رمَوهُم بالحجارةِ حتى قَتلُوهم وقُتِلَ أوريا معهم. فلما انقضت عدَّتُها تزوَّجَها داودُ عليه السلام ، فهي أمُّ سليمان.
فلما دخلَ داودُ عليه السلام بها ، فلم يلبَثْ إلاَّ يسِيرًا حتى بعثَ عليه مَلَكين في صُورةِ آدَميَّين ، فطلبَا أن يدخُلا عليهِ فوجداهُ في يومِ عبادتهِ ، وكان مِن عادتهِ أنَّهُ جَزَّأ الدهرَ يومًا لعبادتهِ ؛ ويَومًا لنسائهِ ؛ ويومًا للقضاءِ بين النَّاسِ.
فلما جاءَ الملَكان في يومِ عبادته منَعَهُما الحرسُ من الدخولِ عليه ، فتَسوَّرُوا المحرابَ ؛ أي دخَلُوا عليه مِن فوق المحراب ، { إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ } ، فلم يشعُرْ وهو يصلِّي إلاّ وهُما بين يدَيه جالِسَين ، { فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ } ، ففَزِعَ منهما ، فقالا: لا تَخَفْْ يا داودُ نحنُ ، { خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ } ؛ أي ولا تَجُرْ ، قال السدِّيُّ: (وَلاَ تُسْرِفْ) ، وقال المؤرِّج: (وَلاَ تُفْرِّطْ) .
وقرأ أبو رجَاء (تَشْطُطْ) بفتح التاءِ وضمِّ الطاء الأُولى من الشَّطَطِ ، والإشْطَاطُ مجاوزةُ الحدِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ } ؛ أي وَأرْشِدْنَا إلى الطريقِ المستقيم.