فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 4495

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ } ؛ أي وَأنْشَأَ مِنَ الإِبلِ اثْنَيْنِ ؛ ذكَرٍ وأُنثى من جملةِ الثمانيةِ الأزواجٍ ، { وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } ؛ ذكَرٍ وأُنثى ، { قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ } ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّد: إنَّكم تُحَرِّمُونَ الولدَ من الجاموس والإبلِ والبقرِ على النِّساء ، فمِنْ أينَ جاء هذا التحريمُ ؛ مِن قِبَل الذكور ؛ { أَمِ الأُنْثَيَيْنِ } ؛ أي مِن قِبَلِ الإناث ؟ { أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ } ، أي مَن الذي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحَامُ الأُنَثَيَيْنِ ، { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَـاذَا } ؛ أي أمْ شاهَدتُم اللهَ تعالى حرَّم هذه الأشياءِ التي تحرِّمونَها وأمرَكم بتحريْمها.

يعني إذا كُنْتُمْ لا تُقِرُّونَ بِنَبِيٍّ من الأنبياءِ ؛ فمِن أينَ عَلِمْتُمْ تحريمَ اللهِ ؛ أبالْقِيَاسِ ؟ لأنَّ الله تعالى أمَرَ نَبيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أن يُنَاظِرَهُمْ ، ويُبَيِّنَ بالحجَّةِ فسادَ قولِهم وبطلانَ اعتقادِهم ، فلمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ"قَرَأهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أبي الأحْوَصِ الْجُشَمِي ومَالِكِ بْنِ عَوْفٍ - وكان هو الَّذي يُحَرِّمُ لَهم ، وكانوا يرجعون إليه فيه - فَسَكَتَ مَالِكُ وَتَحَيَّرَ فِي الْجَوَاب. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَا لَكَ يَا مَالِكُ لاَ تَتَكَلَّمُ ؟"فَقَالَ لَهُ مَالِكُ: بَلْ تَكَلَّمْ أَنْتَ ؛ أنَا أسْمَعُ".

فنزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ؛ هذا استفهامٌ بمعنى التَّوْبِيْخِ وَالتَّعَجُّب ؛ معناه: أيُّ أحدٍ أعْتَى وأجرأ على اللهِ مِمَّنِ اختلقَ على اللهِ كَذِبًا { لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي لِيَصْرِفَ الناسَ عن دِينه وحُكْمِهِ بالْجَهْلِ ، { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ؛ أي لا يُهْدِيْهِمْ إلى الْحُجَّةِ فيما افْتَرَواْ على اللهِ ، ويقالُ: لا يهديهم إلى حُجَّتِهِ وثوابهِ.

فلما نزلَتْ هذه الآيةُ قال مالكُ بنُ عوفٍ: فِيْمَ هذا التحريمُ الذي حَرَّمَهُ آباؤُنا من السَّائِبَةِ والوَصِيْلَةِ والْحَامِ وَالْبَحِيْرَةِ ؟ فَأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } ؛ فقرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الآية ، ثُمَّ قَالَ:"يَا مَالِكُ ؛ أسْلِمُ"فَقَالَ: إنِّي امْرِؤٌ مِنْ قَوْمِي فَأُخْبرُهُمْ عَنْكَ. فأَبَى قَوْمُهُ ؛ فَقَالُواْ: كَيْفَ رَأيْتَ ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مُعَلَّمًا. وَذكَرَ لَهُمْ ؛ فَقَالُواْ: إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ.

ومعنى الآية: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لاَ أجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ من القرآن شيئًا مُحَرَّمًا عَلَى آكِلٍ يَأْكُلُهُ إلاَّ أنْ يَكُونَ مَيْتَةً لَمْ يُذكَّ ؛ وهي تَموتُ حَتْفَ أنْفٍ. فمَنْ قرأ { إِلاَّ أَن يَكُونَ } بالياء فعلى معنى: إلاَّ أن يكونَ المأكولُ ميتةً. ومن قرأ بالتاء ؛ فعلى معنى: إلا أن تكونَ تلك الأشياءُ ميتةً. وقرأ عَلِيٌّ رضي الله عنه: (يَطَّعِمُهُ) بتشديدِ الطاء ، فأدْغَمَ التاءَ في الطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت