قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ } ، اختلَفُوا في الخطاب لِمَن هو ، فروَى عبدُالله بن عِمرانَ:"أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قَالَ:"أنَا ذلِكَ الإنْسَانُ ، أنَا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقٌُّ عَنْهُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَجْلِسُ جَالِسًا فِي قَبْرِي ، ثُمَّ يُفْتَحُ لِي بَابٌ إلَى السَّمَاءِ بحِيَالِ رَأسِي حَتَّى أنْظُرَ إلَى عَرْشِ رَبي ، ثُمَّ يُفْتَحُ لِي بَابٌ إلَى الأَرْضِ السُّفْلَى حَتَّى أنْظُرَ إلَى الثَّوْر وَالثَّرَى ، ثُمَّ يُفْتَحُ لِي بَابٌ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أنْظُرَ إلَى الْجَنَّةِ وَإلَى مَنَازلِ أصْحَابي ، وَأنَّ الأَرْضَ تَتَحَرَّكُ تَحْتِي فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ أيَّتُهَا الأَرْضُ ؟ فَتَقُولُ: إنَّ رَبي أمَرَنِي أنْ أُلْقِيَ مَا فِي جَوْفِي وَأنْ أتَخَلَّى ، فَأَكُونَ كَمَا كُنْتُ إذْ لاَ شَيْءَ فِيَّ"".
والمعنَى على هذا القولِ: إنَّكَ عاملٌ لربكَ عَملًا فمُلاقي ربَّكَ ترجعُ إليه فيُجازيَك. وقال بعضُهم: الخطابُ للمكذِّب بالعبثِ ، وهو أُبَيُّ بن خَلَف الجمحيُّ ، والمعنى: إنَّكَ عاملٌ عَملًا في كُفرِك ، فتُرَدُّ إلى ربكَ في الآخرةِ ، فتلقَى جزاءَ عمَلِكَ.
والظاهرُ: أنَّ الخطابَ لجميعِ الناس. والكَدْحُ في اللُّغة هو السَّعيُ الدَّؤُوب في العملِ في الدنيا والآخرة ، قال الشاعرُ: فَمَا الدَّهْرُ إلاَّ تَارَتَان فَمِنْهُمَا أمُوتُ وَأُخْرَى أبْتَغِي الْعَيْشَ أكْدَحُوالمعنى: أيُّها الإنسانُ ستَرى جزاءَ ما عمِلتَ من خيرٍ أو شرٍّ ، فانظُرِ اليومَ ماذا تعملُ وفيمَ تُتعِبُ نفسكَ ، فلا تعمَلْ إلاَّ لله حتى تستريحَ من الكَدْحِ.