قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ } ؛ معناهُ: فلا جادَ بمالهِ بإنفاقه في طاعةِ الله ، وهلاَّ دخلَ في عملِ البرِّ ، وانفقَ مالَهُ في فكِّ الرِّقاب وإطعامِ الجياعِ ليجاوزَ العقبةَ ، فيكون خَيرًا له من إنفاقهِ في عداوة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهدُ والضحَّاك والكلبيُّ: (( يَعْنِي بالْعَقَبَةِ الصِّرَاطَ ، يُضْرَبُ عَلَى جَهَنَّمَ كَحَدِّ السَّيْفِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ آلاَفٍ سَنَةٍ سَهْلًا وَصُعُودًا وَهُبُوطًا ، بجَنْبَيْهِ كَلاَلِيبُ وَخَطَاطِيفُ كَأَنَّهَا شُوْكُ السَّعْدَانِ ، فَنَاجٍ سَالِمٌ ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ ، وَمُكَرْدَسٌ فِي النَّار مَنْكُوسٌ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ كَالْبَرْقِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ كَالرِّيحِ ، وَمِنْهُمْ كَالْفَارسِ ، وَمِنْهُمْ كَالرَّجُلِ يَعْدُو ، وَمِنْهُمْ كَالرَّجُلِ يَمْشِي ، وَمِنْهُمُ مَنْ يَزْحَفُ وَمِنْهُمُ الزَّالِقُ. وَاقْتِحَامُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إلَى الْعِشَاءِ )) .
وقال قتادةُ: (( هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى ، يُقَالُ: إنَّ الْمُعْتِقَ وَالْمُطْعِمَ يُقَاحِمُ نَفْسَهُ وَشَيْطَانَهُ مِثْلَ مَنْ يَتَكَلَّفُ صُعُودَهُ ) )، قال ابنُ زيدٍ: (( مَعْنَى الآيَةِ: فَهَلاَّ سَلَكْتَ الطَّرِيقَ الَّذِي فِيهَا النَّجَاةُ ) ).
ثُمَّ بيَّن ما هي ، قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ } ؛ تعظيمُ لشأنِ العقبةِ ، تقولُ: ما أعلمَكَ يا مُحَمَّدُ بأيِّ شيء تجاوزُ عقبةَ الصِّراط ، قال سُفيان بن عُيَينة: (( كُلُّ شَيْءٍ قَالَ اللهُ فِيْهِ: { وَمَآ أَدْرَاكَ } فَإنَّهُ أخْبَرَ بهِ ، وَمَا قَالَ فِيْهِ:(وَمَا يُدْريكَ) فَإنَّهُ لَمْ يُخْبرْهُ )).