فهرس الكتاب

الصفحة 3161 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا } معناهُ: اللهُ يقبضُ الأرواحَ عند انقضاءِ آجَالِها ، ويقبضُ الأرواحَ التي لم تَمُتْ في منامِها ، { فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى } ؛ فيحبسُ الأرواحَ التي قَضَى عليها الموتَ ولا يردُّها إلى الأجسادِ ، ويَرُدُّ أرواحَ النائمين إليهم عند الاستيقاظِ ، { إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } ؛ أي إلى الأجلِ الذي قدَّرَ اللهُ لهم وهو انقضاءُ الأجَلِ ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } ؛ إن في رَدِّ الأرواحِ بعد القبضِ لعلاماتٍ ، { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ؛ في قُدرةِ الله تعالى ، فيستدلُّون بذلك على قُدرتهِ على البعثِ.

قال الزجَّاجُ: (لِكُلِّ إنْسَانٍ نَفْسَانِ ؛ أحَدُهُمَا: نَفْسُ التَّمْييزِ ؛ وَهِيَ الَّتِي تُفَارقُهُ إذا نَامَ فَلاَ يَعْقِلُ. وَالأُخْرَى: نَفْسُ الْحَيَاةِ ؛ إذا زَالَتْ زَالَ مَعَهَا النَّفَسُ ، وَالنَّائِمُ يَتَنَفَّسُ) . وعن ابن جُريج عن ابنِ عبَّاس أنه قالَ: (إنَّ النَّفْسَ الَّتِي هِيَ الْعَقْلُ وَالتَّمْييزُ ، وَالرُّّوحُ هُوَ الشُّعَاعُ الَّذِي بهِ يَتَحَرَّكُ الإنْسَانُ ، فَإذا نَامَ الْعَبْدُ قَبَضَ اللهُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَقْبضْ رُوحَهُ ، وَإذا مَاتَ قَبَضَ نَفْسَهُ وَرُوحَهُ) .

ويقالُ: إن الأشباحَ له نفسٌ وروح وحياةٌ ، والبهائمُ لها أرواحٌ ، والنباتُ له حياةٌ ، فنَمَا النباتُ بحياتهِ ، وتحرَّكَ البهائمُ بأرواحِها ، وتَمييزُ الإنسان بنفسِه ، فإذا نامَ غَرَبَ عنه عقلهُ وفَهمهُ وتَمييزهُ ، فإذا انتبهَ عادَ كما كان ، وكذلك الميِّتُ إذا بُعِثَ عادَ يبعث كما كانَ.

"وسُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيَنَامُ أهْلُ الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ:"النَّوْمُ أخُو الْمَوْتِ ، وَأهْلُ الْجَنَّةِ لاَ يَنَامُونَ وَلاَ يَمُوتُونَ"وروي أن في التوراةِ مكتوبٌ: يا بن آدمَ كما تنامُ تموتُ ، وكما تستيقظُ تُبعَثُ."

وقوله { فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ } أي يُمسِكُها عن جسدِ ، يعني الروحَ التي توفَّاها فلا تعودُ إلى الجسدِ ، وقوله { وَيُرْسِلُ الأُخْرَى } يعني النَّفسَ إلى الجسدِ { إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي إلى انقضاءِ الأجلِ.

قرأ الأعمشُ وحمزة والكسائي وخلف: (قُضِيَ عَلَيْهَا) بضمِّ القاف وكسرِ الضاد وفتح الياء ، ورفعِ (الْمَوْتُ) على ما لَمْ يُسمَّ فاعلهُ. وقرأ الباقون: (قََضَى) على الفعلِ الماضي ، ونصب (الْمَوْتَ عَلَيْهَا) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ } ؛ قال المفسِّرون: إن أرواحَ الأحياءٌ والأموات تلتقِي في المنامِ فتعارَفُوا ما شاءَ اللهُ ، ثم يُمسِكُ اللهُ أرواحَ الأمواتِ فلا يردُّها ، وأرسلَ أرواحَ الأحياءِ إلى الأجسادِ إلى وقتِ انقضاء مدَّة حياتِها. وعن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"إذا أوَى أحَدُكُمْ إلَى فِرَاشِهِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبهِ الأَيْمَنِ ، وَلْيَقُلْ: باسْمِكَ رَبي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبكَ أرْفَعُهُ ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا ، وَإنْ أرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بمَا تَحْفَظُ بهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت