قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } ؛ قال الحسنُ وقتادة: (سَأَلَتْ قُرَيْشُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَتَى السَّاعَةُ الَّتِي تُخَوِّفُنَا بهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) ، ومعناها: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ } أي أوَانِ قِيَامِهَا ومتَى مَثْبَتُهَا ، يقال: رَسَي الشيءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ ، ومنه الجبالُ الرَّاسِيَاتُ ؛ أي الثابتاتُ ، والْمَرْسَى: مُسْتَقَرُّ الشَّيءِ الثقيلِ ، وقال ابنُ عبَّاس: (سأَلَتْ الْيَهُودُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَقَالُواْ لَهُ: أخْبرْنَا عَنِ السَّاعَةِ إنْ كُنْتَ نَبيًّا فَإِنَّا نَعْلَمُ مَتَى هِيَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ } ؛ أي عِلْمُ قيامِها عند اللهِ سبحانَهُ ، ما لي بها من علمٍ ، { لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ } أي لا يَكشِفُها ويُظهِرُها لحينِها إلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وقال مجاهدُ: (أيْ لاَ يَأْتِي بهَا إلاَّ هُوَ) ، وقال السديُّ: (لاَ يُرْسِلُهَا لِوَقْتِهَا إلاّ هُوَ) . ووجهُ الامتناعِ عن الإجابةِ عن بيان وقتِها ، أنَّ العبادَ إذا لم يعرِفُوا وقتَ قيامِها كانوا على حذرٍ مِن ذلك ، فيكون ذلك أدعَى إلى الطاعةِ وأزجرُ عن المعصيةِ.
وقولهُ تعالى: { ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } ؛ قال الحسنُ: (ثَقُلَ وَضِْعُهَا عَلَى أهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مِنِ انْتِثَارِ النُّجُومِ وَتَكْويرِ الشَّمسِ وَتَسْييرِ الْجِبَالِ) . وقال قتادةُ: (ثَقُلَتْ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تُطِقُهَا لِعِظَمِهَا) . وقال السديُّ: (ثَقُلَ عِلْمُهَا عَلَى أهْلِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ فَلَمْ يُطِيقُوا إدْرَاكَهَا وَكُلُّ شَيْءٍ خَفِيَ فَقَدْ ثَقُلَ ، وَلاَ يَعْلَمُ قِيَامَهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } ؛ أي فُجْأَةً لا يعلمون وقتَ قيامِها ، فتقومُ والرجُ يسقِي ماشيتَهُ ، والرجلُ يُصلِحُ حوضَهُ ، والرجلُ يقيم سلعتَهُ في سُوقهِ ، والرجلُ يخفِضُ ميزانَهُ ويرفعهُ ، والرجل يهوِي بلُقمتهِ في فَمِهِ ، فما يدركُ أنْ يضعَها في فمهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } ؛ قال الضحَّاكُ ومجاهد: (مَعْنَاهُ كَأنَّكَ عَالِمٌ بهَا) ، وقال ابنُ عبَّاس: (هَذا عَلَى تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ ، مَعنَاهُ: { يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } أي بَارٌّ لَطِيفٌ بهم من قوله: { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } [مريم: 47] ، وَقِيْلَ: معناهُ كأنَّكَ فَرِحٌ بمسألتِهم إيَّاكَ ، وَقِيْلَ: معناهُ: كأنَّكَ حاكمٌ بها ، يقالُ: تَحَافَينَا إلى فلانٍ ؛ أي تخاصَمْنا إليه ، والْحَافِي هو الحاكم.
قَوْلُهُ تعَالَى: { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ } ؛ الفائدةُ في إعادتِه ردُّ المعلومات كلّها إلى اللهِ ، فيكون التكرارُ على وجهِ التأكيد ، وَقِيْلَ: أرادَ بالأول علمَ وقتِها ، وبالثاني علمَ كُنْهِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ؛ أنَّها كائنةٌ وان عِلمَها عندَ اللهِ ، وفي الآيةِ دلالةٌ على بُطلانِ قول مَن يدَّعي العلمَ بمدَّةِ الدُّنيا ، ويستدلُّ بما رُوي أنَّ الدنيا سبعةُ آلاف سنة ؛ لأنه لو كان كذلك كان قيامُ الساعةِ معلومًا ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"بُعِثْتُ أنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيٍْنِ"وَأشَارَ إلَى السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ، فمعناهُ تقريبُ الوقتِ لا تحديدهُ كما قال تعالى: { فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا } [محمد: 18] أي بَعْثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من أشراطِها.