قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } ؛ متصلٌ بما قبله ؛ أي كما أنعمنا عليكم برسالة رجلٍ ؛ أي منكم إليكم فاذكرونِي. ومعنى الآية: قال ابنُ عبَّاس: (تَذْكُرُونِي بالطَّاعَةِ أذْكُرْكُمْ بمَعُونَتِي) . وقال ابن جُبير: (مَعْنَاهُ اذْكُرُونِي بطَاعَتِكُمْ أذْكُرُكُمْ بمَغْفِرَتِي) . وقال الفضيلُ: (اذْكُرُونِي بطَاعَتِي أذْكُرْكُمْ بثَوَابي) .
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَنْ أطَاعَ اللهَ فَقَدْ ذَكَرَ اللهَ ، وَإنْ قَلَّ صِيَامُهُ وَصَلاَتُهُ. وَمَنْ عَصَى اللهَ فَقَدْ نَسِيَ اللهَ وَإنْ كَثُرَ صِيَامُهُ وَصَلاَتُهُ وَتِلاَوَتُهُ الْقُرْآنَ"وقيل: معناه اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات والجِنان. وقال أبو بكر رضي الله عنه: (كَفَى بالتَّوْحِيْدِ عِبَادَةً ، وَكَفَى بالْجَنَّةِ ثَوَابًا) . وقال ابنُ كيسان: (مَعْنَاهُ اذْكُرُونِي بالشُّكْرِ أذْكُرُكُمْ بالزِّيَادَةِ) . وقيل: اذكروني على ظاهر الأرض أذكركم في بطنها.
وقال الأصمعي: (رأيت أعرابيًا واقفًا يوم عرفة بعرفات وهو يقول: إلَهي عَجَّتْ إِلَيْكَ الأَصْوَاتُ بضُرُوب اللُّغَاتِ يَسْأَلُونَكَ الْحَاجَاتِ ، وَحَاجَتِي إلَيْكَ أنْ تَذْكُرَنِي عِنْدَ الْبَلاَءِ إذا نَسِيَنِي أهْلُ الدُّنْيَا) . وقيل: معناهُ: اذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى. وقيل: اذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة ، دليله قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } [النحل: 97] .
وقيل: معناه اذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في الخلاء والملأ. بيانه: ما روي في الخبر: أن الله تعالى قال في بعض الكتب:"أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي ، فَلْيَظُنَّ بي عَبْدِي مَا شَاءَ ؛ فَأَنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي ، فَمَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَمَنْ ذَْكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ؛ وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بَاعًا ، وَمَنْ أتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ، وَمَنْ أَتَانِي بقِرَابِ الأَرْضِ خَطِيْئَةً أتَيْتُهُ بمِثْلِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أنْ لاَ يُشْرِكَ بي شَيْئًا".
وقيل: معناه اذكروني في الرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. وقيل: اذكروني بالسلم والتفويض أذكركم بأصلح الاختيار دليله قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق: 3] . وقيل: اذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصل والقربة. وقيل: اذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة. وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء. وقيل: اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال. اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة ، اذكروني بالندم أذكركم بالكرم ، اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة ، اذكروني بالإرادة أذكركم بالإفادة ، اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص ، اذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب ، اذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان ، اذكروني ذكرًا فانيًا أذكركم ذكرًا باقيًا ، اذكروني بصفاء السرِّ أذكركم بخلاص البرِّ ، اذكروني بالصفو أذكركم بالعفو ، اذكروني بالتعظيم أذكركم بحفظ الوفاء ، اذكروني بالجهد في الخدمة أذكركم بإتمام النعمة ، اذكروني بالاستغفار أذكركم بالاغتفار ، اذكروني بالمناجاة أذكركم بإعطاء الحاجات ، اذكروني بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف ، ولذكر الله أكبر.
قال سفيان بن عُيَيْنَةَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَال:"لَقدْ أعْطَيْتُ عِبَادِي مَا لَوْ أعْطَيْتُ جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ قَدْ أجْزَلْتُ لَهُمَا ، قُلْتُ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ. قُلْتُ لِمُوسَى: قُلْ لِلظَّلَمَةِ لاَ يَذْكُرُونِي ؛ فَإنِّي أذْكُرُ مَنْ ذَكَرَنِي وَإنَّ ذِكْرِي إيَّاهُمْ أنْ ألْعَنَهُمْ"وقال أبو عثمان الهندي: (إنِّي لأَعْلَمُ حِيْنَ يَذْكُرُنِي رَبِي) ، قِيْلَ: كَيْفَ ذلِكَ ؟ قَالَ: (إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } فَإذا ذكَرْتُ اللهَ ذَكَرَنِي) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } ؛ أي اشكروا لي نعم الدنيا والدين ولا تكفروا نعمتي وإحساني إليكم.