قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ } ؛ أي تزوَّجُوهم ، والأيْمُ اسمُ المرأةِ التي لا زوجَ لَها ، والرجلُ الذي لا امرأةَ له ، يقال: رجلٌ أيْمٌ وامرأة أيْمٌ ، كما يقالُ: رجل بكْرٌ وامرأة بكْرٌ ، وقال الشاعرُ: فَإنْ تَنْكِحِي أنْكَحْ وَإنْ تَتَأَيَّمِي أكُنْ مَدَى الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكَحِي أتَأيَّمِويقالُ: الأيْمُ في النِّساء كالعُزْب في الرِّجال ، وجمعُ الأيْمِ الأيَامَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } ؛ أي وزوِّجُوا عبيدَكم وإمائَكم ، وهذا أمرُ ترغيبٍ واستحباب. وفائدةُ ذِكر الصالحين: أن المقصودَ من النكاحِ العفافُ ، والصالِحُ هو الذي يتعفَّفُ. وَقِيْلَ: الصلاحُ ها هنا الإيْمانُ ، ثُم رجعَ إلى الأحرار فقالَ: { إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } ؛ فيه حثٌّ على النكاحِ ؛ لئلا يَمتنِعُوا منه بسبب الفقر ، فإن اللهَ هو الغنيُّ والْمُغْنِي ، إن يكونوا فقراءَ لا سَعَةَ لَهم في التزويجِ { يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } أي يَوَسِّعُ عليهم عند التزوُّجِ.
واختلَفُوا في الآيةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ } الآيةُ ؛ فقال بعضُهم: هذا الأمرُ على الْحَتْمِ والإيجاب ، أوجبَ اللهُ النكاحَ على مَن استطاعَهُ ، وتأوَّلَهُ الباقونَ على أنه أمرُ استحبابٍ ونَدْبٍ ، وهو المشهورُ الذي عليه الجمهور.
وَقِيْلَ: يجبُ على المرأةِ والرجل أن يتزوَّجَا إذا تاقت أنفسُهما إليه ؛ لأن اللهَ تعالى أمَرَ به ورَضِيَهُ وندبَ إليه ، وبَلَغْنَا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"تَنَاكَحُواْ ؛ فَإنِّي أُبَاهِي بكُمُ الأُمَمَ حَتَّى السَّقْطَ". وقالَ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بسُنَّتِي"وهو النكاحُ ؛ لأنه ينتفعُ بدعاءِ ولده بعدَهُ ، ومن لَم تَتُقْ نفسهُ إليه فأحبُّ إلينا أن يتخَلَّى لعبادةِ الله.
وعن أبي نَجِيْحٍ السلميِّ ؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم"مَنْ كَانَ لَهُ مَا يَتَزَوَّجُ بهِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ فَلَيْسَ مِنَّا"وقال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أدْرَكَ وَلَدًا وَعِنْدَهُ مَا يُزَوِّجُهُ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَأَحْدَثَ إثْمًا فَالإثْمُ بَيْنَهُمَا"وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا تَزَوَّجَ أحَدُكُمْ عَجَّ الشَّيْطَانُ"تأويلهُ: غَنِمَ ابنُ آدمَ مني ثُلثي دينه. وقال صلى الله عليه وسلم:"مِسْكِيْنٌ مِسْكِيْنٌ رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ، مِسْكِيْنَةٌ مِسْكِيْنَةٌ امْرَأةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ"قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَإنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ ؟ قَالَ:"وَإنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ"وَقَالَ:"شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ".
وقال صلى الله عليه وسلم:"أرْبَعَةٌ يَلْعَنُهُمُ اللهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ: رَجُلٌ يَخْصِي نَفْسَهُ عَنِ النِّسَاءِ فَلا يَتَزَوَّجُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذلِكَ ، وَلاَ يَتَسَرَّى خِشْيَةَ أنْ يُولَدَ لَهُ ، وَرَجُلٌ تَشَبَّهَ بالنِّسَاءِ ، وَامْرَأةٌ تَشَبَّهَتْ بالرِّجَالِ ، وَرَجُلٌ يَتَهَزَّأُ بالْمَسَاكِيْنَ يَقُولُ لَهُمْ: تَعَالَواْ حَتَّى أُعْطِيَكُمْ ، فَإذا جَاءُواْ قَالَ لَهُمْ: لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ ، وَيَقُولُ لِلأَعْمَى: احْذر الْحَجَرَ قِبَلَكَ ، وَاحْذرِ الدَّابَّةَ ، وَلَيْسَ قِبَلَهُ شَيءٌ".