قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } ؛ أي { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ } يا معشرَ اليهودِ { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } وهو الجبلُ بالسِّريانية في قولِ بعضِهم. وقالُوا: ليسَ من لغةٍ في الدُّنيا إلاَّ وهي في القُرْآنِ! وقال الْحُذَّاقُ من العلماءِِ: لا يجوزُ أن يكونَ في الْقُرْآنِ لُغةٌ غيرَ لغةِ العرب ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قال: { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } [الزمر: 28] .
وقال: { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ } [الشعراء: 195] وإنَّما قَالَ هذا وأشْبَاهَهُ وفَاقًا وقعَ بين اللُّغتين ؛ وقد وجدنَا الطُّور في كلامِ العرب ، قال جَرِيرُ: فَإنْ تَرْسِلْ مَا الْجِنُّ نَسَواْ بهَا وَإنْ يَرْسِلْ مَا صَاحِبُ الطُّور يَنْزلُوالمأخوذُ عليهم ميثاقان ؛ الأوَّلُ: حين أخرجَهم من صُلب آدم كالذَّرِّ. والثانِي: الذي أخذَ عليهم في التوراةِ وسائرِ الكتب. والمرادُ في هذه الآية الثانِي ؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى أنزلَ التوراةَ فأمرَ موسى قومَهُ بالعملِ بأحكامها فأبَوا أن يقبَلُوا ويعمَلُوا بها للآصَار والأثقالَ التي كانت فيها ، وكانت شريعتهُ ثقيلةً فأمرَ الله جبريلَ فقطعَ جَبَلًا على قدر عَسكَرِهم ؛ وكان فَرْسَخًا في فرسخٍ ، فرفعهُ فوق رؤوسِهم مقدارَ قامةِ الرَّجُلِ.
عن ابنُ عبَّاس: (أمَرَ اللهُ جَبَلًا مِنْ جِبَالِ فِلَسْطِيْنَ فَانْقَطَعَ مِنْ أصْلِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ]. وقال عطاءُ:(رَفَعَ اللهُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ الطُّورَ ، وَبَعَثَ نَارًا مِنْ قِبَل وُجُوهِهمْ ؛ وَأتَاهُمُ الْبَحْرُ الْمِلْحُ مِنْ خَلْفِهِمْ) . وقيلَ لَهم: { خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ } ؛ أي اقبَلُوا ما آتيناكم بجِدٍّ ومواظبةٍ في طاعة الله تعالى. وفيه إضمارٌ ؛ أي وقلنا لَهم خُذوا.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ } ؛ أي احفظوهُ واعملوا بما فيه. وَقِيْلَ: معناهُ: واذكرُوا ما فيه مِن الثواب والعقاب. وفي حرفِ أبي بكرٍ: (وَادَّكِرُواْ) بدالٍ مشدَّدة وكسر الكاف. وفي حرفِ عبدِالله. (وَتَذَكَّرُوا مَا فِيْهِ) ومعناهُما اتَّعِظُوا بهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ؛ أي لكي تَنجُوا من العذاب في العُقبَى والهلاكِ في الدُّنيا إنْ قَبلْتُمُوهُ وفعلتم ما أُمِرْتُم بهِ ؛ وإلا وَضَحْتُكُمْ بهذا الجبلِ وأغرقتُكم في البحرِ وأحرقتُكم بهذه النار. فلما رَأوا أنْ لا مهربَ منه قَبلُوا ذلك وسَجَدُوا خَوفًا ، وجعَلُوا يلاحظونَ الجبلَ وهم سُجودٌ مخافةَ أن يقعَ عليهم ؛ فصارت صِفَةً في اليهودِ لا يسجدونَ إلاَّ على أنصافِ وجُوههم ؛ فلمَّا رأوا الجبلَ قالوا: يا موسَى سَمعنا وأطعنا ولولا الجبلُ ما أطعنَا.