فهرس الكتاب

الصفحة 1432 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } ؛ الآيةُ متَّصلةٌ بما قبلَها ، فإنَّ معناهُ: نحن نقصُّ عليكَ أحسنَ القصص ، إذ قالَ يوسفُ لأبيهِ. قرأ طلحة بن مصرف (يُوسِفُ) بكسرِ السين ، ثم قرأ ابنُ عبَّاس (يَا أبَتَ) بفتح التاء في جميعِ القرآن ، وأصلهُ على هذا يا أبَتَا ، ثم حُذفت الألف ، وأبقى فتحةً دلالةً عليها ، قال رُؤبة: تَقُولُ بنْتِي قَدْ أنَى أنَاكَا يَا أبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَاوقرأ الباقون (يَا أبَتِ) بالكسرة على الإضافةِ يقدِّرُها بعدَها ، وَقِيْلَ: كُسرت ؛ لأنَّها أُجريت مجرَى التأنيثِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } قال المفسِّرون: رأى يوسفُ عليه السلام هَذِهِ الرُّؤيا وهو ابنُ اثنى عشرَ سنةً ، قال ابنُ عبَّاس: (وذلِكَ أنَّهُ قَالَ لأَبيهِ: يَا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا نَزَلَتْ مِنْ أمَاكِنِهَا فَسَجَدَتْ لِي ، وَرَأيْتُ { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } ؛ نَزَلاَ مِنْ أمَاكِنِهمَا فَسَجَدَا لِي ، وأرَادَ بذلِكَ سَجْدَةَ التَّحِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا يَقُومُ الْمَلاَئِكَةُ بالسُّجُودِ لآدَمَ عليه السلام) .

قال: (وَكَانَتِ الرُّؤْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، وَكَانَ تَأْويلُ رُؤيَاهُ عِنْدَ يَعْقوبَ: أنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هُوَ فِي حَالَتِهِ ، وَأنَّ أُمَّ يُوسُفَ وَهِيَ رَاحِيلُ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ ، وَأنَّ الأَحَدَ عَشََ كَوْكَبًا إخْوَةُ يُوسُفَ وَكَانُواْ أحَدَ عَشَرَ أخًا ، وإنَّهُمْ كُلُّهُمْ سَيَخْضَعُونَ لِيُوسُفَ) . وَإنَّمَا تَأَوَّلَهَا يَعْقُوبُ عَلَى ذلِكَ ؛ لأنَّهُ لاَ شَيْءَ أضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَيَهْتَدِي بضَوْئِهِمَا أهْلُ الأَرْضِ ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ بَعْدَهُمَا أضْوَأُ مِنَ الْكَوَاكِب ، فَدَلَّتْ رُؤْيَاهُ عَلَى أنَّ الَّذِي يَخُضَعُونَ لَهُ أئِمَّةُ الْهُدَى الَّذِينَ يَهْتَدِي النَّاسُ بهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } ؛ ثانيًا ليس بتكرارٍ ؛ لأنه أرادَ بالرُّؤية الثانية رؤيةَ سُجودِهم له ، وإنما حُملت الآية على الرؤيا لا على رؤيةِ العين ؛ لأنا نعلمُ أن الكواكبَ لا تسجدُ حقيقةً للآدميِّين ، ولهذا قال يعقوبُ: { لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ } .

وعن ابنُ عبَّاس أنَّهُ قَالَ: (لَمَا قَصَّ يُوسُفُ رُؤْيَاهُ عَلَى أبيهِ نَهَرَهُ وَزَجَرَهُ لِئَلاَّ يَفْطَنَ إخْوَتُهُ ، وَقَالَ لَهُ فِي السِّرِّ: إذا رَأيْتَ رُؤْيَا بَعْدَهَا لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى أخْوَتِكَ) . فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ ، يعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوا بها حسَدوهُ فأمرَهُ بالكتمان ، وإنما كان قَصَّهَا على يعقوبَ فقط ، وهذا القولُ أقربُ إلى ظاهرِ الآية ، أي لا تُخبرهُم بذلك لَئَلاَّ يحمِلُهم الحسدُ إلى قصدِكَ بسوءٍ ، ومن الخضوعِ له على إنزال التثريب عليه والاحتيالِ لهلاكه ، والكَيْدُ: هو طلبُ الشرِّ بالإنسان على جهةِ الغَيْظِ عليه.

اختُلِفَ فيما عناهُ فيه هذه اللامِ التي في قولهِ تعالى: { فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } قال بعضُهم: معناهُ: فيَكِيدُوكَ واللامُ صِلَةٌ كقولهِ تعالى: { لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } [الأعراف: 154] ، وقال بعضُهم: هو مثلُ قولِهم: نصَحتُكَ ونَصحتُ لكَ وأشباههِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ؛ أي إنَّ الشيطان عدوٌّ ظاهرُ العدوان لبني آدمَ ، فلا تذكُرْ رؤياكَ لإخوتِكَ ؛ لئلا يحملُهم الشيطان على الحسَدِ وإنزال الضُّرِّ بكَ.

وهذا أصلٌ في جوازِ تركِ إظهار النِّعمة عند مَن يُخشى حسدهُ وكَيدهُ ، وإنْ كان الله تعالى: قال: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } [الضحى: 11] ، وعن رسولِ اللهِ صلى الله علي سلم أنَّهُ قالَ:"اسْتَعِينُواْ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بالْكِتْمَانِ ، فَإنُّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت