فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 4495

قوله عَزَّ وجَلَّ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } ؛ أي تبطِلوا صدقاتِكم بذلك كإبطالِ مَن ينفقُ ماله مُرَاءَاةً وسُمعةً لِيَرَواْ نفقتهُ ويقال: إنه سخيٌّ كريم صالحٌ ، يعني بذلك المنافقَ الذي ينفقُ ماله لا رغبةً في الثواب ولا رهبةً من العقاب ، بل خوفًا من الناس ورياءً لهم أنه مؤمنٌ. { فَمَثَلُهُ } ؛ أي مَثل نفقةِ هذا المنافق الْمُرَائِي ؛ { كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } ؛ أي كحَجَرٍ أملسٍ ؛ { عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } ؛ أي مطرٌ كثير شديدُ الوقعِ فذهب بالتراب الذي كان"على"الحجرِ ، وبقيَ الحجرُ يابسًا لا شيءَ عليه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } ؛ أي حَجَرًا صَلْبًا أمْلسًا لا يبقى عليه شيء ، وهو مِن الأرضِ ما لا يُنْبتُ ، ومن الرؤوسِ ما لا شعرَ عليه. قال رُؤْبَةُ: بَرَّاقُ أصْلاَدِ الْجَبينِ الأَجْلَهِوهذا مثلٌ ضربه اللهُ لنفقةِ المنافق والمرائي والمؤمن الذي يَمُنُّ بصدقته ويؤذي ؛ يعني أنَّ الناس يرونَ أن لهؤلاء أعمالًا كما ترَى الترابَ على هذا الصَّفوان ، وإذا كان يومُ القيامة اضمحلَّ وبَطَلَ ؛ لأنهُ لم يكن للهِ كما أذهبَ الوابلَ ما كان على الصَّفوانِ من التراب ، { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } لا شيءَ عليه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ } ؛ أي لا يقدرُ الْمَانُّ بنفقتهِ والمؤذي والمنافقُ على ثواب شيء مما أنفقُوا ، كما لا يقدرُ أحدٌ من الخلقِ على التراب الذي كان على الحجرِ الأملس بعدما أذهبَه المطرُ الشديد.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } ؛ أي لا يهديهم حتى يُخلصوا أعمالَهم. وقيل: لا يهديهم بالمثوبة لهم كما يهدي المؤمنينَ.

وأصلُ الوَابلِ من الوَبِيْلِ وهو الشديدُ كما قالَ تعالى: { أَخْذًا وَبِيلًا } [المزمل: 16] . ويقال: وَبَلَتِ السَّمَاءُ تَبلُ ؛ إذا اشتدَّ مطرُها. والصَّلْدُ: الحجرُ الأملسُ الصلبُ ، ويسمى البخيل صَلْدًا تشبيهًا له بالحجرِ في أنه لا يخرجُ منه شيء. ويقال للأرضِ التي لا تُنْبتُ شيئًا: صُلْدًا ، وصَلَدَ الزَّنْدُ صُلُودًا إذ لَمْ يُور نَارًا.

وفي الآية دلالةٌ على أنَّ الصدقةَ وسائرَ القُرَب إذا لم تكن خالصةً لله تعالى لا يتعلَّقُ بها الثوابُ ، ويكونُ فاعلها كمن لا يفعلُ ؛ ولهذا قالَ أصحابُنا: لا يجوزُ الاسئتجارُ على الحجِّ وسائر الأفعالِ التي من شرطِها أن تُفعل على وجهِ القربةِ ؛ لأن أخذَ الأجرَةِ عليها يُخرجها من أنْ تكون قربةً.

ثم ضربَ جَلَّ ذِكْرُهُ لنفقةِ المخلصين المثيبين مثلًا آخرَ أعلى من المثلِ الأول فقالَ: { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } ؛ أي صِفَةُ الذين ينفقون أموالهم لطلب رضا الله تصديقًا وحقيقةً. قال الشعبيُّ والكلبي والضحَّاك: يَعْنِي تَصْدِيْقًا مِنْ أنْفُسِهِمْ ، يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بهَا نُفُوسُهُمْ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت