فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أبَيْرِقَ سَارقِ الدِّرْعِ) وقد مضت قصَّتهُ في سورةِ النساء ، ثم صارت عامَّة في جميعِ الناس. ومعنى الآية: والسارقُ من الرجالِ والسارقةُ من النِّساء فاقطَعُوا أيدِيَهُما أي إيمانِهِمَا كذا تأوَّلَهُ ابنُ عباس. وفي قراءةِ ابن مسعود: (فَاقْطَعُواْ أيْمَانَهُمَا) .

وقرأ عيسى بن عمر: (وَالسَّارقَ وَالسَّارقَةَ) بالنصب على إضمار اقطَعُوا السارقَ والسارقةَ ، كما تقولُ: زَيدًا اضرِبهُ ، والقراءة المختارةُ: الرفعُ ؛ لأن القطعَ على الأيدِي لا على السارقِ. وقال المبرِّدُ: (لَيْسَ الْقَصْدُ مِنَ الْكَلاَمِ إلَى وَاحِدٍ بعَيْنِهِ ، وَإنَّمَا مَعْنَاهُ: مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، بِخِلاَفِ قَوْلِكَ: زَيْدًا اضْرِبْهُ. وَلَوْ أرَادَ سَارقًا بعَيْنِهِ لَكَانَ وَجْهُ الْكَلاَمِ النَّصْبَ) . وعلى هذا قَوْلُهُ تَعَالَى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا } [النور: 2] ولو أرادَ زانيًا بعينهِ لنصبَ.

وإنما ذكرَ أيديَهُما بلفظِ الجمع ؛ لأنه أرادَ أيْمانَهُما ؛ لأنَّ ما كان واحدًا فَبَيَّنَهُ بلفظِ الجمع والإضافةِ إلى الاثنين ، ومثلُ ذلكَ { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [التحريم: 4] ، والإضافةُ إلى الاثنينِ يدلُّ على أن المرادَ به التثنيةُ دونَ الجمعِ.

فإن قِيْلَ: لأيِّ معنى قدَّمَ اللهُ ذكرَ السارقِ على السَّارقة ، وقدَّمَ ذكرَ الزانيةِ على الزانِي ؟ قِيْلَ: لأنَّ السرقةَ في الرجالِ أكثرُ ، والنساءُ هي أصلُ الفتنةِ للرجال بالتعريضِ لهم ، ولو لَزِمَتِ المرأةُ بيتَها كما أمرَ اللهُ تعالى لم تقَعْ هي ، ولا الرجالُ في الزِّنا.

واختلفوا في كم تقطَعُ يدُ السارقِ من المال إذا سرقَهُ ، فقال بعضُهم: في عشرةِ دراهمَ فصاعدًا ، ولا يقطعُ فيما دون ذلك ، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ ، وكان سُليمان بن يسار لا يقطعُ الخمسَ إلاَّ في خمسةِ دراهمَ. وقال مالكُ: (يُقْطَعُ فِي ثَلاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا) ، وقال الأوزاعيُّ والشافعي: (يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) .

وقال بعضُهم: يقطع في القليلِ والكثير ولو كان دَانِقًا ، وهو قولُ ابنِ عبَّاس. وقال بعضُهم: في درهمٍ.

ولو قطعَ السارقُ ثم عادَ فسرقَ ، قُطعت رجلهُ اليُسرَى ، فإن سرقَ ثالثًا قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ: (لاَ يُقْطَعُ ، لِمَا رُويَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أتِيَ بسَارقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ أتِيَ بهِ مَرَّةً أخْرَى فَقَطَعَ رجْلَهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ أتِيَ بهِ ثَالِثَةً فَضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَقَالَ: إنِّي أسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ لاَ أدَعَ لَهُ يَدًا يَسْتَنْجِي بهَا وَلاَ رجْلًا يَمْشِي بَها) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { جَزَآءً بِمَا كَسَبَا } ؛ أي عقوبةً على ما فعَلاَ ، وانتصبَ (جَزَاءً) لأنه مفعولٌ له ، كأنه قالَ: فاقطَعُوهما لجزاءِ فعلهِما. قَوْلُهُ تَعَالَى: { نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ } ؛ أي عقوبةً وفضيحة من اللهِ. والنَّكَالُ: هو أن يُنَكَّلَ بهِ ليعتبرَ به غيرهُ فَيَنْكَلَ ؛ أي لا يفعلَ مثلَ فعلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ؛ أي منيعٌ بالنِّقمة من السارقِ ، ذو حِكمة فيما حكمَ من القطعِ لما في ذلك من زَجْرِِ السَّارق عن غيِّهم صيانةً لأموالِ الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت