فهرس الكتاب

الصفحة 2012 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى } ؛ أي وما التي بيمِينِكَ يا موسى ؟ { قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا } أي أعتمدُ عليها إذا أُعْييْتُ ، وإذا مَشَيْتُ ، فلفظُ أوَّلِ الآية استفهامٌ ؛ ومعناه: التقريرُ على المخاطَب ، أن الذي في يدهِ عصا ؛ لكيلا تَهولهُ صارت ثُعبانًا.

وَقِيْلَ: كان الغرضُ بهذا السُّؤال إزالةُ الوحشةِ منه ؛ لأن موسَى كان خائفًا مُستوحشًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي } ؛ أي أخْبطُ به الشجرَ ؛ ليتناثرَ وَرَقُهُ فيأكلهُ غَنَمِي. وقرأ عكرمةُ: (وَأهُشُّ) بالشِّين ، يعني أزْجُرُ بها الغنمَ ، وذلكَ أنَّ العربَ تقولُ: هَشَّ وقَشَّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } ؛ أي حوائجُ أُخرى ، تقولُ: لا إرَبَ لِي في هذا ؛ أي لا حاجةَ لِي فيه ، واحدُ الْمَآرِب مَأْرُبَةٌ بضمِّ الراء وكسرِها وفتحها ، وإنَّما لَم يقل: أُخَرَ ؛ لأجلِ رُؤوسِ الآيِ.

قال ابنُ عبَّاس: (كَانت مَآرِبُهُ أنه إذا ورد ماء قصر عنه رشاؤه وصله بالْمِحجنِ ، ثم أدلَى العصا وكان في أسفلِها عكَّازةٌ يقاتلُ بها السباعَ ، وكان يُلقي عليها كسائَهُ يستظلُّ تحتَها ، ومن مآربهِ أيضًا أنه كان اذا أرادَ الاستسقاءَ مِن بئرٍ أدلاها ، فطالَتْ على طولِ البشر ، فصارت شُعبتاها كالدَّلو ، وكان يظهرُ على شعبَتَيها الشَّمعتين بالليلِ - يعني: يضيءُ لهُ مد البصرِ ويهتدي بها - واذا اشتهَى ثمرة من الثمارِ رَكَزَها في الأرضِ ، فَتَغَصَّنت أغصانُ تلك الشجرةِ ، وأورقت أورقُها وأثْمَرت) .

ثم كان من المعلومِ أنَّ موسى لَمْ يُرِدْ بهذا الجواب إعلامَ اللهِ تعالى ؛ لأن اللهَ تعالى أعلمُ بذلكَ منه ، ولكن لَمَّا اقتضى السؤالُ جوابًا لَمْ يكن بدٌّ له من الإجابةِ ، فذكرَ منافعَ العصا إقرارًا بالنعمة فيها والتزامًا بما يجبُ عليه من الشُّكر للهِ ، وهكذا سبيلُ أولياءِ الله تعالى في إظهار شُكر نِعَمِ اللهِ تعالى ، وفي هذا جوابٌ عن بعضِ الْمُلْحِدَةِ في باب المسألةِ كانت عن فائدة ما في يده ، ولَم يكن عن منافعِها ، فلِمَ كان الجوابُ عن ما لَم يسأل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت