فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيلِ } ؛ معناه: هو الذي يقبضُكم عن التصرُّفِ بالنوم وما تصيرونَ في منامكم بالليلِ في قبضتهِ لا تَمْلكون لأنفسِكُم تصريفًا في أموركم.

والتَّوفِّي في اللغة: هُوَ الْقَبْضُ ؛ إلاَّ أن روحَ النائمِ لا تصيرُ مقبوضةً في حال نومه على جهةِ الحقيقة ؛ لأن النائمَ يستمدُّ من الهواءِ على حسب ما يفعلهُ المنتبهُ ، ولكنَّ الله يحدثُ في حال النوم من بدنِ النائم ضربًا من الاسترخاءِ في إغماءٍ منه ، إمَّّا بسلب عقله ، أو بإِحداثِ فعلٍ في البدن يكونُ ذلك الفعل سببًا لراحةِ البدن ، كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } [النبأ: 9] فلما صارَ النائمُ كالميتِ في أنه لا يعقلُ وفي أن تصرفَه لا يقع على تَمييز ؛ شُبهَ بالميتِ من حيث التوفِّي على هذا الوجه ، كما وردَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"النَّوْمُ أخُو الْمَوْتِ ، وَأهْلُ الْجَنَّةِ لاَ يَمُوتُونَ وَلاَ يَنَامُونَ"وعلى هذا الوجهِ يتأوَّل قَوْلُهُ تَعَالَى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا } [الزمر: 42] إلى آخر الآية.

وذهبَ بعضُهم إلى أن الروحَ تخرجُ من البدن في المنامِ ، ولكن لا تنقطعُ حركة النائمِ ؛ لأن نظرَ الروحِ لم ينقطع عن البدن ؛ إذ هو على العَوْدِ في كلِّ وقتٍ وفي كل ساعةٍ ؛ وقال: لا يخرجُ منه الروحُ ، وإنَّما يخرج منه الذهن.

قَوْلَهُ تَعَالىَ: { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ } ؛ أي كسبتُم من الخيرِ والشرِّ بالنهار ، يقالُ: جَرَحَ وَاجْتَرَحَ ؛ بمعنى كَسَبَ وَاكْتسَبَ ، وأصلُ الاجْتِرَاحِ: عَمَلُ الْجَوَارِحِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } ؛ أي يُنَبهُكُمْ من نومِكم في النهار على علمٍ منه بما اجترحتُم من قبلُ وما تجترحون من بعدُ ، { لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى } أي لتبلغُوا الوقتَ المقدور الذي قدَّرهُ الله بحَيَوِيَّتِكُمْ ؛ فتنقطعُ أرزاقكُم وأعمالُكم التي تعملونَ في الدُّنيا من خيرٍ أو شرٍّ.

قَوْلَهُ تَعَالَى: { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } ؛ أي ثم إلى اللهِ مصيرُكم ومتقلَّبُكم بعدَ الموتِ ، { ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ؛ أي ثم يُخْبرُكُمْ في الآخرةِ بما كنتم تعملون في الدُّنيا ؛ فيجازي كلَّ عاملٍ ما عَمِلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت