فهرس الكتاب

الصفحة 10050 من 27364

د. علي بن إبراهيم النملة (*) 1/4/1428

محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن الكريم:

إدراك الإعجاز

الخاتمة: الخلاصة والنتيجة

محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن الكريم:

توالت ترجمات معاني القرآن الكريم, دون تدخُّل مباشر, بالضرورة, من الأديرة والكنائس والمنصِّرين، ولكن بقدر من الإيحاء الذي أملته العودة إلى الترجمات السابقة. حتى يأتي جورج سيل سنة 1149هـ/1734م, الذي وصف, لاهتمامه البالغ بالإسلام, بأنَّه «نصف مسلم» , (1) حيث أثنى على القرآن الكريم, وترجم معانيه إلى اللغة الإنجليزية ، لكنه نفى أنْ يكون وحيًا من عند الله، بل أكَّد على أنَّه من صنع محَمَّد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -, حيث يقول: «أمَا أنَّ محَمَّدا كان, في الحقيقة, مؤلِّف القرآن المخترع الرئيسي له, فأمرٌ لا يقبل الجدل, وإنْ كان المرجَّح ـ مع ذلك ـ أن المعاونة التي حصل عليها من غيره, في خطَّته هذه, لم تكُن معاونةً يسيرة. وهذا واضح في أنَّ مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك» (2) .

وفي نصٍّ آخر للترجمة ينقله علي علي علي شاهين في كتابه: الإعلام بنقض ما جاء في كتاب مقالة في الإسلام: «ومما لا شكَّ فيه ولا ينبغي أنْ يختلف فيه اثنان أن محَمَّدا هو في الحقيقة مصنِّف القرآن وأوَّل واضعيه. وإنْ كان لا يبعد أنْ غيره أعانه عليه كما اتَّهمته العرب, لكنَّهم لشدَّة اختلافهم في تعيين الأشخاص الذين زعموا أنهم كانوا يعينونه وَهَتْ حجَّتهم, وعجزوا عن إثبات دعواهم. ولعلَّ ذلك لأنَّ محَمَّدا كان أشدَّ احتياطًا من أن يترك سبيلاً لكشف الأمر» . (3) "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ" [النحل: 103] .

يقول نجيب العقيقي عن هذه الترجمة: «وقد نجح في ترجمته, فذكرها فولتير في القاموس الفلسفي. وأُعيد طبعها مرارًا, إلاَّ أنَّها اشتملت على شروح وحواشٍ ومقدِّمة مسهبة, هي في الحقيقة بمثابة مقالة إضافية عن الدين الإسلامي عامَّة حشاها بالإفك واللغو والتجريح» . (4) وجاءت ترجمات معاني القرآن الكريم التالية له, في معظمها, عالةً عليه, متأثِّرة به, بحيث نظر الآخرون إلى القرآن الكريم بعد جورج سيل بعينيه, ولم ينظروا إليه بعيونهم.

كون القرآن الكريم من تأليف رسول الله محَمَّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -, سواء أعانه على تأليفه نفرٌ من اليهود والنصارى والحنيفيين المعاصرين له أم لم يعاونه عليه أحدٌ, أدَّى إلى المزيد من الصدِّ والالتفات عن الجانب الإعجازي في القرآن الكريم؛ إذ لا يتوقَّع القائلون بأنَّ هذا من تأليف ذلك العبقري العربي, الذي عاش في القرنين السادس والسابع الميلاديين, أنْ تكون له نظرات علمية, سواء أكانت متحقِّقةً في زمانه أم أنَّها داخلةٌ في نطاق ما يأتي من الزمان, وهو الناشئ في بيئة أمِّية, وهو نفسه كان أمِّيًّا. فلم تساعد هذه النظرة إلى كتاب الله تعالى على مجرَّد التفكير بأنَّه كتاب معجز (5) .

الادِّعاء أن القرآن الكريم من تأليف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي فرية استشراقية قديمة في إطلاقها, ولكنها أثَّرت كثيرًا على تأثير القرآن الكريم على قرَّاء ترجمة المعاني باللغة الإنجليزية, دون شكٍّ. بل إنَّ التأثير قد امتدَّ إلى قرَّاء ترجمة المعاني باللغة الفرنسية, عندما تبنَّى المستشرق البولوني ألبر كازميرسكي (1216 ـ 1295هـ/1801 ـ 1887م) نقل ترجمة المعاني من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية (سنة 1256هـ/1840 ـ 1841م) , بالأسلوب الذي ترجمها به جورج سيل, حيث «تعوزها بعض الأمانة العلمية» , كما يقول نجيب العقيقي (6) .

يقول محَمَّد خليفة حسن: «أدَّت وفرة الترجمات الاستشراقية في اللغات الأوروبية إلى نتيجة سلبية في الدراسات القرآنية عند المستشرقين, وهي أنَّ معظم هذه الدراسات اعتمدت على الترجمات, ولم تعتمد على النصِّ العربي للقرآن الكريم» (7) .

على أيِّ حال فالبحث في تأريخ الترجمات, التي قام بها الرهبان, ثم الرهبانُ المستشرقون، ثم المستشرقون من غير الرهبان, بحثٌ شائق، وليس هذا مجال التوسُّع فيه، إلا أنَّه غلب على ترجمات معاني القرآن الكريم, من قِبل غير أهله, أنَّها ترجمات اتَّسمت بالنظرة السلبية تجاه الوحي، وتجاه من نزل عليه الوحي, سيِّدنا محَمَّد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت