شيروان الشميراني
الديمقراطية والعلمانية.. هل هما صنوان لا يفترقان، أم أنهما عدوان لدودان لا يصلح وجود أحدهما في وجود الآخر؟ وإذا كان ثمة ارتباط من نوع ما، فما طبيعة هذا الارتباط؟ وكيف يتم توظيفه لأهداف بعينها بعيداً عن القواعد الموضوعية لكل من المصطلحين"الديمقراطية"و"العلمانية"؟ ثمة نقطتان لا مفر من ذكرهما قبل الولوج في الموضوع:
أولاً: إن الديمقراطية من حيث المنشأ لم تكن فلسفة جاهزة الأسس، كاملة الآليات، حاضرة كخيار من بين خيارات فلسفية سياسية أخرى، للمرء أن يأخذ بها أو يرفضها ويأخذ بغيرها، بل إنها وليدة صراع مرير حقاً بين شعوب بجميع أطيافها، والقابضين على السلطة بمختلف محاورها، ولم تكن كما هي الآن بعد أن نشأت، بل كانت محصورة بين النبلاء من السياسيين وملاّك الأراضي، فلم يكن للعبيد، ولا الخدم، وللنساء، ولا للفقراء، الحق في الترشح، أو التصويت، فكل من كان لهم الحق في المشاركة السياسية في شؤون الدولة لم يكونوا يتجاوزون نسبة 20% من مجموع السكان، فالديمقراطية كانت مقصورة على أصحاب النفوذ، لكن بما أن الديمقراطية وليدة ظرف سياسي واجتماعي خاص، فهي من المفاهيم التي لا تقف على سلم ثابت، ولا تأخذ شكلاً محدداً لا يمكن التغيير فيه، بل هي مصطلح قابل للتطور من حيث الشكل والمضمون معاً، لأنّ العنصر الأبرز في تكوينها هو حاجة الناس للحرية، وقدرتهم الكاملة على تدبير شؤونهم عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها، ومن هنا كانت المعركة المستمرّة التي لم تهدأ عبر العصور، والتي أسهمت في الدفع بالديمقراطية صوب وضع تكون فيه أفضل.
ثانياً: إن الديمقراطية بدأت في العصور الحديثة بمعركة بين الشعوب ومحاور ثلاثة للقوة والنفوذ وهي (الملك، وأصحاب الأراضي، والكنيسة) ، هذه المحاور الثلاثة كثيراً ما كانت في وئام ضد الشعوب، إلا أنّ القوة الشعبية انتصرت في النهاية، وإن كان ذلك على حساب فكرة التدين عموماً في الغرب، إذ خرجت رؤى تقول بفصل الدين عن الحياة العامة بجميع مفاصلها، ومن هنا أخذت الديمقراطية خلفية لادينية في عالم الأفكار، وكان هذا طبيعياً بما للحضارة الغربية من موروث فكري مادي وأشكال متغيرة، لكن لما كانت الديمقراطية مفهوماً قابلاً للتطور، ولا يقف على أرضية جامدة، فقد ظل يأخذ صوراً وأشكالاً متغيرة عبر الزمن، وحتى النصف الأول من القرن الماضي كانت الديمقراطية مرتبطة بالعلمانية، والعلاقة بينهما كاللازم والملزوم، إلا أنّ روحها المرنة ساعدتها على التكيف مع مختلف الأوضاع والأحوال، وآخر محطة توقفت عندها هي أنها عبارة عن آليات مجردة محايدة لا تنتمي إلى أي فلسفة أو فكر، وقادرة على التأقلم مع كل الأديان، والفلسفات، والمذاهب الفكرية، وأول من عرفها بهذه الصورة هو جوزيف شوبيتر في بحثه المعنون ب"الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية"، الذي أصدره عام 1942م، حيث يرى أنها"ذلك الترتيب المؤسساتي للوصول إلى القرارات السياسية التي تحدد المصلحة العامة من خلال تمكين الشعب نفسه من اتخاذ القرارات عبر انتخاب أشخاص يقومون بتنفيذ إرادة الشعب"، فقد فصل بينها وبين خلفيتها الفكرية النابعة من طبيعة الصراع في التاريخ الغربي.
والآن عندما تطلق هذه المفردة في الأوساط الثقافية وعند الكتاب والباحثين، فإنه ينظر إليها من خلال هذا المفهوم الشوبيتري. يقول منير شفيق في كتابه"الإسلام في معركة الحضارة":"أصبح الكثير من المثقفين يرون في الديمقراطية حق تنظيم وتشكيل الأحزاب وحق الانتخاب والترشيح للانتخاب، وحق الأغلبية في الحكم، وحق الأقلية في المعارضة، بل حق الوصول إلى السلطة، وإحداث التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عن طريق ديمقراطي".. وقد أكد هنتنجتون في سنة 1997م هذا الاتجاه للديمقراطية، مصرحاً بأن جميع الباحثين بعد الحرب الثانية يؤيدون هذا المضمون الذي أعطاه شوبيتر، ومن ثمّ، فإن المفهوم الكلاسيكي الذي عبَّر عنه بركليس حول الديمقراطية في كلمات أربع وهي"حكم الشعب للشعب، وبالشعب"، لم يعد معتبراً. وهنا، نذكر الرؤى والتصورات المتباينة حول طبيعة العلاقة بينها وبين العلمانية، وهي كالآتي:
أولاً: تصور يُبنى على استحالة الفصل بينهما، ويجمع هذا الرأي بين تيارين على طرفي نقيض: بعض الإسلاميين من جهة، والعلمانيين من جهة أخرى. وهم يذهبون إلى أن الديمقراطية خلقت في رحم الغرب ونمت وترعرعت في حضنه، وقد أشربت العلمانية فكراً، ومن ثمَّ ليس هناك بد من أخذها كما هي من غير فكّ للارتباط بينها وبين العلمانية، وبالتالي فإنها لا تتفق والمنهج الإسلامي.. كلتا المدرستين تريد إثبات أن الديمقراطية والفكر الإسلامي بينهما برزخ متسع، ومسافة فاصلة كبيرة.. وبالتالي من أراد أن يكون ديمقراطياً، فلا بد أن يكون علمانياً!!