عبد الحي شاهين 23/8/1424
غيب الموت اليوم الرئيس البوسني المسلم علي عزت بيجوفيتش بعد حياة طويلة قضاها في خدمة قضايا أمته من أجل تحريرها وتعميق هويتها الإسلامية.
ويعتبر بيجوفيتش من المفكرين الإسلاميين البارزين؛ لإسهامه في دعم الفكر الإسلامي بعدة مؤلفات منها:"الإعلان الإسلامي"، و"عوائق النهضة الإسلامية"؛ و"الإسلام بين الشرق والغرب"؛ و"هروبي إلى الحرية"وغيرها.
وعلي عزت بيجوفتيش ولد سنة 1925م في أسرة بوسنية مسلمة بمدينة (كروبا) في جمهورية"البوسنة والهرسك"، التي كانت جزءاً من الاتحاد اليوغسلافي، وتعلم في مدارس مدينة سراييفو، والتحق بجامعتها وحصل على درجات في القانون والآداب والعلوم، ثم أكمل دراساته العليا حتى نال شهادة الدكتوراه عام 1962، ثم عمل مستشاراً قانونياً لمدة 25 سنة اعتزل بعدها العمل وتفرغ للكتابة والبحث، وكان علي عزت خلال حياته كلها نشطاً في مجالات العمل الإسلامي كتابة ومحاضرة، حكم عليه سنة 1949م في عهد جوزيف تيتو بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة، وكانت تهمته أن له علاقة بمنظمة (الشبان المسلمين) في حين لم يكن لهذه المنظمة أي نشاطات سياسية، وإنما اقتصر نشاطها على التعليم الإسلامي وأعمال الخير.
عُني علي عزت منذ وقت مبكر بأن يوفر للشباب المسلم أدوات لفهم الإسلام بأسلوب عصري مناسب، فخصص لذلك مؤلفاً صغيراً تحت عنوان"الإعلان الإسلامي"وفور صدور المؤلف التقطه الصرب والكروات، وأشاعوا حوله ضجة ووصفوه بأنه (المنفستو الإسلامي) الذي يدعو إلى الجهاد لإقامة دولة إسلامية في قلب أوروبا؛ فقدم صاحبه مع أحد عشر من زملائه المثقفين الإسلاميين إلى المحاكم ، وحكم عليهم بالسجن أربعة عشر عاماً بتهمة العمل ضد نظام الدولة وأمن شعبها، مع أن المؤلَّف لم يكن فيه ما يمس أمن الدولة، إنما كان محاولة لترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد ويفهمها.
ولكن كان هدف المحاكمة هو قمع أي فكر إسلامي والقضاء على أصحابه، ولذلك تمت محاكمة علي عزت وصحبه محاكمة سريعة وشبه سرية، حتى لا تلفت الأنظار، وأصبح بعدها"الإعلان الإسلامي"وثيقة اتهام لعلي عزت وللإسلام بصفة عامة، وأحيط بمبالغات ومخالطات كثيرة ليس في وسائل الإعلام الصربية والكرواتية فحسب؛ وإنما في الدوائر الغربية التي تصنع القرار كذلك.
وقد خاض بيجوفيتش كفاحاً مريراً ليحصل المسلمون في بلاده على حريتهم ومكانتهم، وتعرَّض في سبيل ذلك للسجن والاضطهاد إبّان الحكم الشيوعي اليوغوسلافي، وأسس إبان سقوط النظام الشيوعي عام 1989 حزب العمل الديموقراطي ممثلاً للمسلمين وغير المسلمين من شعب البوسنة والهرسك، ونادى من خلاله بالاستقلال، وقيام دولة مستقلة في البوسنة والهرسك، ورُشِّح عام 1990 كأول رئيس لهذه الدولة التي شهدت صراعاً مريراً من أجل الاستقلال.
وقد سبق أن حصل بيجوفيتش على جائزة الملك فيصل الدولية لخدمة الإسلام عام 1993، كما حاز على لقب"مفكر العام"من مؤسسة علي وعثمان حافظ عام 1996، وجائزة الدفاع عن الديمقراطية الدولية من المركز الأمريكي للدفاع عن الديموقراطيات والحريات، وجائزة مولانا جلال الدين الرومي لخدمة الإسلام بتركيا.
(الإعلان الإسلامي) .. الكتاب الزوبعة!
كتاب (الإعلان الإسلامي) من أول مؤلفات علي بيجوفتيش، وقد قدم فيه علي خلاصة فكره ونظرته لقضايا العالم من خلال فهمه للإسلام، ويتضمن هذا المؤلف آراءه و رؤاه للعديد من القضايا الإسلامية وعلاقة المسلمين بالعالم.
حيث يقول:"إن العالم الإسلامي يمر بمرحلة مخاض، ومهما تكن النتيجة؛ فإن أمتنا لن تكون كما كانت عليه في الخمسين سنة الأولى من القرن العشرين، وتحاول القوى الدولية استغلال الوضع السائد في العالم الإسلامي لتحقيق أهدافها بوسائل مختلفة لتأمين هيمنتها على المسلمين، وإبقائهم في قاع التخلف والتبعية للغرب، إن ما نناضل من أجله هو إخراج المسلمين من دائرة التخلف والفقر، والاعتماد على الآخرين، وإن جذور الجهاد لاتزال حية، لقد مضت قوافل الشهداء وهي تقاتل الجاهلية، نريد بخطوات واثقة أن نقف على بداية طريق العودة إلى سيادة أنفسنا ومستقبلنا، وإقامة مجتمع إسلامي موحد من طنجة إلى جاكرتا".
ويرد بيجوفيتش على المشككين والرافضين بقوله:"قد يبدو الهدف الذي نصبو إليه بعيد المنال، لكنه واقعي وحقيقي على عكس الأفكار اللامعقولة التي عمل ويعمل الآخرون على تحقيقها. وينتقد مصطفى كمال: إن الذي جناه مصطفى كمال على تركيا كان غريباً عن التراث والحضارة التي وفرت ما شهده الأتراك من قوة وعظمة طيلة قرون مديدة."
وينقسم"الإعلان الإسلامي"إلى ثلاثة أبواب، تحدث في الباب الأول عن تخلف الشعوب الإسلامية، ويؤكد فيه أن تقدم المسلمين لا يمكن أن يتحقق خارج المنظومة الإسلامية، مستشهداً بأمجاد الماضي وإخفاقات الحاضر، ويدعو جميع المفكرين في العالم الإسلامي إلى الالتقاء حول المرجعية الإسلامية، وبعد ذلك يمكن للخلاف أن يسع الجميع.