فهرس الكتاب

الصفحة 22588 من 27364

تعديل مرمى الجمرات كشَفَهُمْ

محمد جلال القصاص

يتداعى لرمي الجمرات يوم الثاني عشر من ذي الحجة ـ ثاني أيام التشريق وهو يوم التعجيل ـ الأقوياءُ ، وترفع على رؤوس كثيرٍ الرايات وتتعالى تحتها الصيحات ، كأنه يوم من أيام العرب ، فتسمع عند الجمرات الصيحات والنداءات وترى إرساليات ( تقاتل ) مجتمعة من أجل الوصول إلى الحوض والرمي من قريب ، وقد حدث أن مات فريق من الحجيج في هذا الموقف .

وبعد موت الحجيج من أثر التدافع يومَ التعجيل تكلم ثلاثة من الناس . طيبون وانتهازيون مجرمون وغافلون . وأنا هنا لا أبحث المسألة من ناحية فقهية ، وإنما أقرأ العقول وأنظر في الدوافع والمآلات .

الطيِّبون هالهم موت إخوانهم وراحوا يبحثون عن الأسباب فقائل من حَمْلِ البعض للأمتعة حين الرمي ، وقائل من تواجد الضعفاء والنساء ، وقائل من ضيق المكان . . الخ ، وطالبَ بعضُ هؤلاء ـ في هذا السياق ـ بإعادة النظر في توقيت الرمي والإذن به قبل الزوال للضعفاء وذوي الحاجات . كما هو الحال في الدفع من ( جَمْع ) [1] . هؤلاء هم الطيبون .

أما الخبثاء المجرمون ، فهم القاعدون للشريعة بكل طريق ، رموا بسهامهم علماءَ الملة والدين

فحصروا الأمر في أن سبب هذا التدافع هو التشدد في تحديد الرمي بما بعد الزوال ، وتكلموا بضرورة تطوير الفتوى فقد تطور الزمان ولم يعد الأمر على ما كان ، وهو تفريع على أصل يستمسكون به ويدعون إليه ، وهو أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان ـ هكذا بإطلاق ـ وهو كلام يستبطن بل يدعوا صراحة إلى تغيير الثوابت لتسير على هوى الناس في هذا الزمان [2] . وكأنها فرصة لتشويه منهج السلف الصالح ـ الصحابة والتابعين ـ من خلال الغارة على العلماء الربانيين .

والعجب أن هؤلاء يدَّعون العقلانية في أطروحاتهم ، والعقل يقول أن دفع علماء الأمة للإجماع على جواز الرمي قبل الزوال ليس حلا للمشكلة ، بل هو زحزحةٌ لها ، فبدل أن يكون التدافع ظهرا سيكون فجرا .

والغافلون هم من راحوا ينظرون لمشهد التدافع وقت الزوال يوم الثاني عشر دون سياقه العام وهالَهُم موت الناس من التدافع ، وبعَجَلَة وسطحية في التفكير انقلبوا إلى الشريعة واستحضروا قاعدة فقهية ( المشقة تجلب التيسير ) [3] وراحوا يعملونها ويطالبون غيرهم بإعمالها وصولا لإجماع على الرمي في كل حين قبل الزوال وبعده .

وهم غافلون .

غافلون عن أن السبب في التدافع ليس هو وقت الرمي ، فالوقت ممتد حتى للمتعجل إلى الغروب ومن نوى التعجيل لا يضره إن أتى عليه الليل وهو في مِنى قد حبسه عذر ، والتزاحم ينحصر في ساعتين فقط أو أقل بعد الزوال وبعدها يصير الأمر مقبولا ومحتملا حتى للضعفاء وذوي الأعذار ، وغافلون عن أن زحزحة وقت الرمي لما قبل الزوال هي زحزحة لوقت التزاحم وليس حلا لها ، وهم غافلون عن أن هناك حلولا أخرى بديلة يجب أن نسير إليها قبل القول بتغير الفتوى أو تعديلها .

وهم غافلون عن أن دعواهم تتوافق مع المجرمين . في التوقيت وفي الثمرة وإن اختلفوا في المنطلق ، فهم وإن لم يتكلموا بتسفيه العلماء الذين لم يُعملوا هذه القاعدة الفقهية ( المشقة تجلب التيسير ) لكن كلامهم يشير من قريب إلى أن علمائنا دون مستوى الفتوى وتغيب عنهم القواعد البسيطة التي فطن إليها هؤلاء ، ومن المعلوم بالضرورة عند الأصوليين أن الحرام نوعان ، حرام لذاته وحرام لغيره ، فقد يعتري الأمرَ أمرٌ فيقلب حكمه الشرعي ، وهو أمر مسلم به ، فالنوازل تحتاج للتروي والتدقيق في المآلات والأهداف .ليرى هل السؤال على ظاهرة أم أنه مطية لشيء آخر؟ [4] .

وهم غافلون عن أنهم ليس لهم أن يتحدثوا لعوام الناس دون الرجوع لأشياخهم من الربانيين وبحث الفتوى معهم أو بالأحرى ترك الفتوى لهم . وهذه أم المصائب التي ابتلينا بها اليوم ، صحفيون وكَتبَة وصغارٌ من طلبة العلم يتكلمون فيما يتوقف فيه أمثال ابن باز وابن عثيمين [5] .

وأعظهم بواحدة أن لا يعودوا للتحدث للعامة في المذكرات والبرامج والمقالات في أمر كهذا دون الرجوع للعلماء الربانيين ، فالأمر دين ويتسبب في إثارة العامة وتجريئها على ولاة أمرها من العلماء .وقد قال الله { وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء: 83 ] ، وأحسب أن كثيرين ممن يتكلمون ليسوا من الذين يستنبطونه منا.

وتعديل الجمرات كشفهم جميعا

حدث في هذا العام حسن تدبير وإدارة لموقع الرمي فقد اتسع المكان وزالت كثير من أسباب التدافع المفضي للموت ، ويتكلم أهل الشأن بأن هذه مرحلة أولى تتبعها مراحل .فقد كشف تعديل الجمرات أنه لم تكن هناك ضرورة تقتضي تعديل الفتوى ـ وتعديل الفتوى ليس حلا حتى وإن لم يحدث هذا التطوير في الجمرات كما قدمتُ ـ ، وكشفَ أن الذين في قلوبهم مرض متربصون بعلمائنا وأئمتنا ينتهزون أي فرصة للانقضاض على الشريعة في شخص هؤلاء ـ حفظهم الله ـ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت