فهرس الكتاب

الصفحة 4200 من 27364

ظلال الديجولية تخيّم على مواقف السياسيين الفرنسيين

فرنسا.. وأمريكا.. والحملة الدولية

بعد أحداث سبتمبر الأمريكية، كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك أول رئيس أوروبي يزور الولايات المتحدة للتعبير عن تضامن فرنسا العميق مع الشعب الأمريكي من باب الاعتراف بجميل الأمريكيين الذين وقفوا خلال الحرب العالمية الثانية إلى جانب الشعوب الأوروبية مع الشعب الفرنسي خصوصا لدحر النازية. وتوالت مواقف السياسيين الفرنسيين في مختلف مواقعهم تؤكد نفس التوجه التضامني العام. لكن خارج هذا الإطار، برزت أصوات عديدة تدعو إلى عدم الانجرار إلى الاستراتيجية الأمريكية بكل تفاصيلها والحفاظ على السيادة الوطنية في اتخاذ القرار، بما يذكّر بمواقف السياسي الفرنسي الشهير شارل ديجول أيام حكمه.

ولمزيد من فهم مواقف الطبقة السياسية الفرنسية، نتوقف عند مداولات المجلس الوطني (البرلمان الفرنسي) لمناقشة أحداث أمريكا وتداعياتها بحضور السلطتين التنفيذية والتشريعية.

في جلسة يوم الأربعاء 3-10، قدم الوزير الأول ليونال جوسبان خطاباً باسم الحكومة عقبه نقاش من النوّاب. في خطابه، عبّر جوسبان عن تضامن فرنسا مع الشعب الأمريكي وعن الشعور بالحزن الشديد المشفوع بشعور القلق معللاً ذلك بأنّ"هذه الأعمال الإرهابية تمثل تحدياً مباشراً لقيمنا الأكثر ترسّخاً: احترام الحياة، الديمقراطية، الحرية". وكأنّ مثل هذه القيم خاصة بالحضارة الغربية وليست ملكاً للجميع، ولعلّ الإشارة إلى أنّ هذه الأعمال تمثل أيضاً تحدّياً لكل الأمم والمجتمع الدولي يستدعي أجوبة واضحة وحازمة، هو من باب تعويم هذه"الخاصية"الغربية في الإطار الدولي. واعتبر أنّ الهدف من مناقشة هذا الموضوع داخل البرلمان هو إشراك النوّاب في إصرار فرنسا على انخراطها في مقاومة ما أسماه ب"الإرهاب الدولي".

وتساءل:"هل غيّر يوم 11-9 شيئاً في تاريخ العالم؟"، وتوقف عند مصطلحين اقترنا بهذه الأحداث وهما: الحرب وصراع الحضارات. ولم يشر الوزير الأول صراحة في خطابه إلى انتماء القائمين بالتفجيرات في الولايات المتحدة إلى الإسلام وإنما ضمنياً من خلال موقف من يقولون بالصراع الحضاري، مفسراً موقفهم هذا بأن"الإرهابيين يعتقدون في قدرتهم على إبلاغ الإسلام أو بالأحرى رؤيتهم الخاصة المنحرفة عن الإسلام، من أجل تبرير ما لا يمكن تبريره، وجلب أتباع أو أنصار". أو من خلال الإشارة إلى الهدف الذي وضعته الإدارة الأمريكية لتحركاتها على

انفراد أو في إطار تحالف، وهو"النجاعة مع طول النفس من أجل تفكيك منظمة بن لادن والشبكات التي تنعت بأنها تنتمي إلى حركة الإرهاب الإسلامي".

وفي تفسيره لظاهرة الإرهاب، يرى جوسبان من ناحية أنّ الصراعات وكل مظاهر عدم المساواة المنتشرة في العالم لا تفسّر الإرهاب، في الوقت نفسه الذي يعتبر أن الفقر والشعور بالدونية والظلم، كلها تولّد الكراهية. وكأنّه يقول بأنّ الكراهية يجب ألا تتجاوز الخط الأحمر، أي استعمال العنف. ولكن بين ما يجب أن يكون وبين الواقع، فرق شاسع. فقد أثبتت أحداث 11-9 أن الخطر سائد ما دامت أسبابه متجذرة خاصة ما يتعلّق بالفوارق الكبيرة في مستوى العيش بين شعوب ما يسمّى بالشمال وما يسمّى بالجنوب، وما يتعلّق بسياسة المكيالين في معالجة القضايا الحساّسة. وفي خطاب الوزير الأول اعتراف بوجود إشكاليات حقيقية معقّدة تحتاج إلى حوار واسع، حيث قال إنّ:"هذه الأزمة تقودنا إلى أسئلة أساسية بشأن الوضع الحالي للعالم". وتساءل:"كيف نردّ على أصناف التطرّف التي لدينا إحساس عميق بانتشارها حتّى في عالمنا المتقدّم؟ كيف نتجنّب تشكّل فراغات في المجال السياسي لا يملؤها سوى العنف، في عالم يشهد عولمة اقتصادية؟". وأضاف:"لكنّي مقتنع بأنه يجب ألا يكون التهديد الإرهابي سبباً في تحوّل القضايا العالمية الملحّة مثل حلّ النزاعات؛ خاصة في الشرق الأوسط واحترام حقوق الإنسان والتقدّم الديمقراطي والتنمية إلى قضايا ثانوية في أذهان صانعي القرار وفي الترتيبات الزمنية على مستوى الدول".

وفي انتظار هذا الحوار وتنزيل القناعات على أرض الواقع، فإنّ العالم اليوم يشهد مأساة إنسانية يعيشها الشعب الأفغاني. في هذا الصدد، أشار رئيس الوزراء الفرنسي إلى حضور فرنسا عبر منظماتها غير الحكومية والمشاركة في إطار مساعدة أوروبية تقدر ب27 مليون أورو لفائدة المدنيين الأفغان، وتقديم مشروع عمل للمجلس الأوروبي يضمن حق الشعب الأفغاني في تقرير مصيره، والمشاركة في الجهد الدولي لإرساء الحوار بين مكوّنات المجتمع الأفغاني من أجل مساعدته على تحقيق التصالح والسلم المدني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت