فهرس الكتاب

الصفحة 18278 من 27364

حينما اكتشف الرجل الأوروبي البخار و الكهرباء، و صنع الصلب و القطارات و الطائرات، و أضاء المدن فأحال ظلامها نهاراً امتلأ شعوراً بالسعادة و العظمة.

و حينما وضع قدمه في أفريقيا السوداء نظر إليها نظرة السيد إلى ملايين العبيد المتخلفين المتأخرين، المتبربرين المتوحشين. و شعر بأن عليه واجب الأخذ بيد هؤلاء الحيوانات إلى نور المعرفة و العلم و الوصايا العشر.

و بين زنوج عراة حفاة وقف المبشر الأوروبي في ثياب نظيفة يقول لكل واحد:

لا تسرق..

و نظر كل عريان بجواره يتساءل: نسرق ماذا؟

لا أحد يملك حتى خرقة على جسده، و الطير يمرح على الشجر لمن يصطاده، و الأرض مجاناً لمن يزرعها، و الفاكهة دانية لمن يقطفها..

نسرق ماذا و لماذا؟

أسهل على الجمل أن يدخل ثقب إبرة من أن يدخل الغني جنة الله.

و لكن من هو الغني؟

الذي يملك.. الذي عنده نقود أكثر.. الذي عنده سندات و عقارات أكثر.

و لكن ليس بيننا من يملك أكثر و لا من يملك أقل. و لا نعرف ملكية. و لا نعرف نقوداً. و ليس بيننا من يملك سندات و عقارات.

هذا عين التأخر و البربرية و الوحشية!

سوف يصك لكم الرجل الأوروبي النقود. سوف يجعل بعضكم فقراء و بعضكم أغنياء. سوف يجعل بعضكم يملك و بعضكم لا يملك. و هكذا تنشأ بينكم الأحقاد فتعرفون معنى الوصايا العشر.

و لكن ما بال الرجل الأوروبي نفسه لا يعمل بالوصايا العشر؟

لماذا يسرق خيرات الغابة و يشحنها في البواخر المتراصة على الشاطئ إلى بلاده؟ لماذا يقتل العبيد بالسخرة في المناجم؟ لماذا يتزوج واحدة و يزني بألف. و لماذا يكذب على نفسه و علينا و على الله؟!

و ظلت الحياة تسير في رتابة بين المتوحشين المتبربرين تحصدهم الأمراض، و تتحالف عليهم الملاريا و الحمى الصفراء، و الحيات و الأفاعي، و رصاص المستعمرين.

و تولى الرجل الأوروبي مهمة قتل نفسه في حربين عالميتين.

و تولى حصاد المدينة التي أقامها. كلما بنى هدم، و كلما أقام حطم.

و لكن الأدوات في يديه ظلت تتقدم من طائرات إلى صواريخ، و من كهرباء إلى ذرة.

و ها هو ذا اليوم قد امتلأ شعوراً بالثقة، و قد ازداد تأكيداً أنه أصبح السيد بالفعل.

سيد من؟!!

سيد على الطبيعة و عبد لنفسه!

و هو يزداد عبودية لهذه النفس كل يوم.

تستهويه البضائع الاستهلاكية في الفاترينات، و تستعبده الثلاجة و الغسالة و العربة البويك، و الريكوردر، و الترانزيستور.

و سيطرة البضائع الاستهلاكية و الترف الشخصي تفرض نفسها على بلد رأسمالي كأمريكا كما تفرض نفسها على بلد اشتراكي كروسيا.

و من أجل مزيد من الترف و البضائع الاستهلاكية لكل فرد، و من أجل السيطرة و التحكم في الآخرين سوف تقوم حرب ثالثة، فلم تعد المسألة مسألة مذاهب. و إنما حقيقة المسألة أن الإنسان لم يتقدم و إنما تأخر. و هو كل يوم يتأخر.

الأدوات في يديه هي التي تقدمت و تحول هو من صانعها إلى خادمها ثم إلى عبدها.

لكن كل هذه البضائع الاستهلاكية ليست أكثر من لعب أطفال في فاترينة، و كل ما أحرزه الإنسان من تقدم هو تقدم شكلي.

و الإنسان في أثينا، منذ أكثر من ألفي سنة، أيام سقراط و أفلاطون و أرسطو كان أكثر تقدماً. و كان يعرف طريقه الصحيح إلى التقدم بالفعل. كان يبحث كيف يعرف نفسه، و كيف يتخلص من عبوديتها، و كيف يحقق الحرية، و كيف يحقق العدالة، و كيف يصل إلى معرفة الله. و كان كل واحد يناقش الآخر في حرية.

أما اليوم فكل واحد يطلق على الآخر الرصاص.

و لا أحد يفكر كيف يعرف نفسه، و لكن كيف يشبع نهم تلك النفس الجشعة بلا حدود.

و النفس تدفن شيئاً فشيئاً تحت ركام البضائع الاستهلاكية، يخنقها طمعها اللانهائي.

نحن نتأخر.

الأدوات في أيدينا تنمو في القوة باطراد حسابي كما تنمو الأموال تلقائياً في البنوك.

و لكن التقدم ليس أن تنمو الأدوات، و إنما أن ينمو الإنسان.

ليس أن يسيطر الإنسان على الآخرين، و إنما أن يسيطر على نفسه، على غضبه.

ليس أن يمتلك الإنسان القوة، بل أن يمتلك الرحمة.

ليس أن يفرض الشرق مذهبه على الغرب، و لا أن يفرض الغرب مذهبه على الشرق، و إنما أن ترحب الصدور ليقول كل واحد كلمته.

صحيح أننا الآن نركب صواريخ و نسير بسرعة، و لكن إلى وراء، و إلى تحت، و إلى خلف، و إلى دغل كثيف نعود فيه حيوانات أكثر افتراساً من كل الحيوانات.. حيوانات مخالبها ذرية و أنيابها نووية. مسوخ اختل فيها التوازن فأصبحت لها أبدان هائلة، و قلوب ضئيلة، و أرواح هزيلة.

الجنس البشري الآن هو الديناصور الجديد الذي سوف ينقرض.

و اقرأوا التاريخ لتعرفوا كيف كان على الأرض منذ ملايين السنين حيوان هائل ضخم كالجبل، يحكم جميع الحيوانات، اسمه الديناصور، ثم انقرض و هلك. و السبب أنه كان قوياً جداُ و مغفلا.ً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت