د. محمد مورو 4/4/1426
بداية فإن فكرة المشاركة في السلطة من قبل أي جماعة سياسية أو اجتماعية أو من أي لون وطيف هي فكرة طبيعية ومشروعة، وكذا فإن هدف الوصول إلى السلطة في حد ذاته ليس هدفاً مجرداً بل هو مشروع ومقبول والحرص عليه ليس عيباً على الإطلاق .
وبالتالي فإن وصول الإسلاميين إلى السلطة أو مشاركتهم فيها هو أمر طبيعي بل أكثر من طبيعي، واستهدافهم لذلك لا يعيبهم بل إن حرمانهم من الوصول إلى السلطة بوسائل متعددة منذ نشأة تلك الحركات كان جريمة ضد الشرعية وضد رغبة الناس وضد مبادئ القانون ـ أي قانون.
وبالنسبة لي، فإنني أعتبر التيار الإسلامي في بلادنا العربية هو الأكثر تعبيراً عن وجدان الناس وعن مصالحهم دون أن يكون له الحق في أن يحتكر الإسلام طبعاً أو يقصره على نفسه، ومن هنا فإن وصوله إلى السلطة هو هدف نبيل .
وأعتقد أن الحركات الإسلامية هي الامتداد الطبيعي لحركة التحرر الوطني ضد الاستعمار والتي كانت إسلامية الجوهر والسلوك تماماً منذ عمر مكرم وجمال الدين الأفغاني والنديم ومصطفى كامل ومحمد فريد وعبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار وعز الدين القسام .. الخ، ومن ثم فهي استجابة طبيعية لمواجهة الاستبداد ، وطريقاً للنهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وتجاوز حالة التخلف وتحقيق الحرية والتحرر والعدل الاجتماعي . وهي بحكم تكوينها وبحكم وجدان الناس صاحبة البرنامج الأكثر قبولاً والأكثر قدرة بالتالي على مواجهة التحديات .
ولكن فكرة المشاركة في السلطة أو الوصول إلى السلطة ليست غاية في حد ذاتها، بل هي إحدى آليات تحقيق برنامج النهوض الشعبي الإسلامي المنشود، وبالتالي فهي مرتبطة بمجموعة العوامل الداخلية والإقليمية والدولية في زمن معين، وهكذا فإن طرح هذه المسائل في الوقت الراهن يقتضي بالضرورة تحليل مجموعة هذه العوامل المرتبطة بالموضوع.
طريق مسدود
على المستوى الداخلي فإن أوضاعنا العامة وصلت إلى حالة من التأزم المزمن في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ومحاولات النهضة ومشروعات التحرر كلها تقريباً وصلت إلى طريق مسدود، وفشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافها، وتحولت بدورها إلى عبء كبير على كاهل الناس والأمة، وعلى مستوى التحديات الخارجية المحيطة"الاستعمار ـ الصهيونية ـ التبعية"كان الفشل ذاته هو سيد الموقف . وإذا كانت الليبرالية قد سقطت منذ عام 1948 ، والاشتراكية عام 1967 ، والحكم العسكري عموماً سقط ولا يزال، وكذا تجارب العلاقات مع أمريكا وقبلها الاتحاد السوفيتي ...الخ ؛ فإن هذا يبرر بحث الناس عن الطريق الإسلامي كحل لم يعد هناك بديل عنه . وهذا يرجح ويزكي فكرة مشاركة الإسلاميين في السلطة أو حتى الحكم منفردين .
ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالسماح للإسلاميين بالمشاركة في السلطة أو الوصول إليها ـ وهو الأمر الذي ترفضه القوى الدولية والإقليمية والمحلية النافذة حتى الآن ، هذا السماح ليس برئ المقصد ولا حباً في حل المشكلة ولا إيماناً مفاجئاً بحق القوى السياسية في الوصول إلى السلطة، إنه في رأيي مجرد فخ على أساس أن مشاركة الإسلاميين في السلطة مع وضع ضمانات معينة تجعلهم غير قادرين على تنفيذ برامجهم الحقيقية هو نوع من التوريط لهم وإضعاف موقفهم الجماهيري ومن ثم تحويلهم إلى شيء آخر غير إسلامي"يمين محافظ أو غير محافظ مثلاً في إطار علماني". وفي نفس الوقت فإنهم وحدهم القادرون على تهدئة الشارع العربي والإسلامي المنفلت والذي تزيده حالات الاستفزاز الديني والقومي والوطني الذي تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة ومن ثم يمكنه التحول إلى نوع من المقاومة غير المؤطرة . وهي خطر شديد على الاحتلال الصهيوني الأمريكي ، وهكذا فالهدف من السماح للإسلاميين بالوصول إلى السلطة في ذلك الوقت هو نزع فتيل هذا الخطر ـ وبالتالي فالقبول بتلك المهمة هو أمر خطأ وخطر ولا يمكننا بالطبع أن نعمل مانعة صواعق لصالح الأمريكان .
النقطة الهامة التي ينبغي أن نأخذها في اعتبارنا هنا هي أن العالم أصبح شديد التداخل، وهناك عولمة اقتصادية متوحشة لا تسمح بسهولة بتحقيق أي نوع من التنمية المستقلة وبالتالي عدم القدرة على تحقيق برنامج اقتصادي حقيقي لصالح عموم الناس، وهناك انفراد أمريكي بالقوة في العالم، ومن ثم فإن أي حكومة وطنية مهما كان برنامجها، ومهما كانت كفاءة رجالها وعناصرها غير قادرة على المناورة ، وسوف تخضع في المحصلة لهذا العامل الصعب"العولمة ـ هيمنة أمريكا على العالم"، ومع الأخذ في الاعتبار أننا أمة في حالة هزيمة تكنولوجية، وأن الفجوة التكنولوجية لا يمكن سدها بوسائل تقليدية أو بوسائل مستمدة من نفس طريقة التفكير الغربية في التنمية ، لأدركنا على الفور أن المشاركة في السلطة قد لا تحقق الكثير مما يتوقعه الناس، وفي نفس الوقت قد تحدث نوعا من الانصراف الجماهيري عن المشروع الإسلامي وإحداث نوع من الشوشرة على منطلقاته النظرية .
رأس حربة ضد المشروع الأمريكي