فهرس الكتاب

الصفحة 22034 من 27364

د.محمد إياد العكاري

تحيّرت في عنوان مقالتي هذه وماذا يصلح لها من تسميةٍ لأصف به عالمنا الذي نعيش فيه اليوم وواقعنا المعاصر الذي نحياه بكل ما فيه، بمصائبه ودواهيه، وآلامه و مآسيه وماذا أسميه ديكتامقراطية أم ديكتاتوراتية؟!

وكنت كتبت عنواناً لهذه المقالة قبلُ ولكنِّي أحجمت عنه، ليس رهبةً منه، وإنما لأسبر حقائق الأمور، متعرضاً لها بين السُّطور وآثرت الإبقاء على هذين العنوانين وتركت لكم حرية الاختيار في زمن الديمقراطية!! وعصر العولمة؟! وشعارات حقوق الإنسان!!..

أجل تركت لكم ذلك في زمانٍ يستطيع الإنسان أن يقولَ ما فيه بملء شِدْقيَْه، و أن ينقد حاله ببطنه وخُفَّيْه، وإن أحسن فبظهره وجنْبيْه، ولا تعجب من مقالي، ولا حُكمي ولا سؤالي طالباً منك أن تتأمَّلَ حالنا بعينٍ بصيرةٍ، وأن تحكمَ فيه بنور البصيرة.

فماذا أقول في هذا العصر؟؟ وماذا أتحدث عن أحواله؟؟وما هو لونه ووصفه؟؟ وكيف هو سَمْتُهُ ورَسْمُهُ؟

هذا العصر الذي بلغ التَّقدم العلمي أوجَه، وبلغت فيه وسائل الاتصال سقفَ مداها، وتقاربت فيه عقارب الزمان، وتجاور فيه المكان مع المكان فأصبح العالم قريةً صغيرةً وبدل أن نستفيد من عصر العولمة باحتراز الخبرات واكتساب المهارات متعاونين باحترامٍ وتقديرٍ متبادل بين الأمم والشعوب للإحاطة ببحور المعلومات بغية اللحاق بركب الحضارات كان الأمر علينا عكس ذلك عواصف دهماء تجثم فوقنا كالجبال حيث هبت علينا رياح العولمة من الغرب عاتيةً هوجاء ومن القطب الأوحد تحديداً فاندفعت بقوة اعلامياته وفضائياته، ناشرةً ثقافة القتل والرعب، والجريمة والاغتصاب هذا عدا عن الخراب والدمار الذي تخلفه هنا وهناك على ظهر المعمورة بغية الحفاظ على مصالحها أجل ثم ما لبث القطب الأوحد بعد أن فقد مع مطلع هذا القرن برجيه حيث كبر عليه أن يكون أجلحاً بعد أن كان أقرناً،وعظم ذلك في نفسه، ففقد عقله وحسَّه ، وأضاع حلمه ولبَّه ،فأضحى ينطح برجليه، ويركل بيديه، ويضرب برأسه، مرسلاً حمم نيرانه، وقذائف صواريخه، وجحيم قاذفاته إلى بلاد الإسلام تحمل الخراب والدمار بدل الأمن والسَّلام أجل هذا ما رأينا مع مطلع هذا القرن وما تجسده لنا الأحداث التي نراها صباح مساء، ليل نهار.

لقد غزانا عصر العولمة عبر الفضائيات قبل الحراب بشعاراته البراقة التي نادى بها قطبه الأوحد وما أحلاها من شعارات وما أجملها من مسميات ما لبثت أن تحولت إلى بربريات وهمجيات في زمانٍ تتسارع فيه الأنفاس خشية الريبة والحرَّاس، وتذوب فيه القلوب مما تلاقيه في دنياها من خطوب.

لقد جاء القطب الأوحد يدندن بالعولمة ويتشدّق بالديمقراطية وينادي بحقوق الإنسان ويدعي حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.

آهٍ آهٍ الديمقراطية ما أحلاها من كلمة وما أعظمها من مدلول ولكن ليس لها من رصيد الواقع شيء.

إنها تعريب Democ r acy وهو حكم الشعب لنفسه أو حكم الأكثرية حيث يتساوى الناس في الحياة السياسية انتخاباً وترشيحاً ونرى فيه تكافئ الفرص واقعاً محسوساً في حياة الناس فيبرز الأصلح ويتقدَّم الأفضل، ويعلو الخير، وتلقى البر ولا شك أن هذا مطلب الأحرار.

هذا ما سمعناه في كلامهم قبل، أما ما رأيناه بفعالهم فلا حول ولا قوة إلا بالله فقد رأينا والله عجبا...ً ولاقيناه شرراً وحطبا...ً فتذوقناه ناراً ولهباً... في أغلب عالمنا الإسلامي ناهيك عن العالم كلِّه والعراق أكبر شاهدٍ حيٍ على همجيَّة القطب الأوحد وبربريته في عصرنا هذا ..

هذا البلد الذي ضمَّ إلى صدره أقدم حضارةٍ عرفتها البشرية وهي حضارة ما بين النهرين التي عرفنا منها شريعة حمورابي وشاهدنا فيها حدائق بابل المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع.

هذا العراق الذي ضمَّ بين دفتيه دجلة والفرات، أرضه سوادٌ من خضرتها، وتاريخه عراقةٌ من أصالتها ،والرُّؤى شموخٌ في حضرتها هذا فوق الأرض أمَّا ما حوته تحت الأرض فالذَّهب الأسود النفط الذي يسيل له لعاب الغرب حيث تشكل ثاني أكبر احتياطي في العالم ثم ماذا ؟!

لقد فقدت الحياة معناها بعد الذي جرى في العراق من أحداث، ليجلبوا له ديمقراطيتهم ،ويحلبوا له عولمتهم فضاع الأمن، وفقد الأمان، وهُدِّمت البلاد، وشُرِّد العباد !!

لقد ادّعوا أنهم ما جاؤوا إلالينشروا الديمقراطية بين أهل العراق وإزالة مظاهر الطغيان فأين العراق اليوم؟؟

أين الديموقراطية التي يتشدَّقون بها؟؟ وأين حقوق الإنسان التي يتحدثون باسمها ؟؟

إنَّها تلعنهم صباح مساء من نفاقهم ،وتشتمهم ليل نهار من كذبهم،وتبكي ألما ًمن افترائهم ومكرهم وهم على حالهم مازالوا يعزفون على نفس الأوتار ليصدِّقهم العملاء!! ويصفق لهم السفهاء !!وينخدع بهم البلهاء من بني جلدتنا فماتشدّقوا به عن حقوق الإنسان في مطلع القرن الحادي والعشرين زاعمين أنهم أهل الديمقراطية مطالبين بحرية المرء وكرامته، وأمنه ورفاهيته جاء الواقع ليدحضه فما شاهدناه في العراق وفلسطين وغيرها من أقطار المسلمين ليشهد على كذبهم ويدلِّل على نفاقهم، ويدحض كذب دعواهم وهذا كلُّه غيضٌ من فيض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت