الوسيلة الخامسة. التعليم.
وهذه الوسيلة هي أكثر الوسائل تأثيرا وثباتا ورسوخا في السباق إلى العقول، لأنها تقوم على أسس مدروسة ومناهج هادفة، ومواد مختارة، وكتب معدة، ومعلمين مدربين، ولأن وقت التعليم طويل يبدأ في سن مبكرة ويستمر إلى الممات عند كثير من المتعلمين، والسبق بأي مبدأ إلى عقول الناشئين يملك عقولهم و يأسرها أسرا، ولهذا قال الرسو صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي هريرة-: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه(( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) )الآيَةَ. [الحديث في صحيح البخاري برقم: 1270] وذلك إنما يكون بالتعليم الدراسي والأسري. فإذا راعى أهل الحق أسس التعليم وأحكموها، كان التعليم من أنجح وسائل السباق إلى العقول بالحق وتثبيته في تلك العقول: عقول الأفراد والأسر والحكام والمربين في كل الأجيال.
أسس التعليم الناجحة في السباق إلى العقول.
الأساس الأول: وضوح الغايات.
أي غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول، وهي:
1-تبليغ رسالات الله إلى الناس.
2-إقامة الحجة على الخلق.
3-إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
4-تحقيق توحيد الله في الأرض.
5-غرس الإيمان بالغيب في النفوس.
6-تحكيم شرع الله في حياة الناس.
7-غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.
8-إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله.
9-الاعتزاز بالله واتخاذ وسائل العزة.
وقد سبق الكلام عنها، وهي-وإن كانت مطلوبة التحقيق من كل الوسائل-تتحقق بوسيلة التعليم وتثبت وترسخ أكثر من غيرها من الوسائل الأخرى.
الأساس الثاني: وضع مناهج للتعليم تتحقق بها تلك الغايات.
بحيث تشمل المناهج كل ما تحتاج إليه الأمة في حياتها، على أساس دينها الذي تضمنه كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، مما يحقق لها السيادة التي ترضي ربها في الأرض.
ما تجب مراعاته في وضع المناهج.
ويجب أن يراعى في وضع المناهج الأمور الآتية:
الأمر الأول: السبر الشامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من العلوم.
وهي كل العلوم التي تمكنها من النهوض والتقدم واعتلاء مقعد القيادة الربانية للبشرية، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالخليفة: (( إني جاعل في الأرض خليفة ) )سواء كانت تلك العلوم من فروض العين، وهي التي تتعلق بجميع المكلفين ولا يكفي أن يقوم بها أحد عن آخر، كأركان الإسلام وأركان الإيمان، أو فروض الكفاية وهي التي تسقط عن بقية الأمة، إذا قامت بها طائفة كافية عددا وسدَّ حاجة، كالعلوم السياسية، والقضائية، والاقتصادية، والهندسية والطبية، والصناعية، والحِرفية، والفلكية، والعسكرية، وغيرها.
ثم يوضع لكل علم منهجه الخاص به من قبل ذوي الكفاءة فيه والاختصاص، ويخصص له من الزمن ما يكفيه.
الأمر الثاني: أن يراعى في وضع المناهج ما يتناسب مع العصر.
ويشمل ذلك جميع المواد والمفردات المطلوب دراستها، بحيث يكون الدارس على وعي وخبرة بما يتعلق بالعلم الذي يدرسه في واقع الحياة، مع المقارنة والموازنة والترجيح بالحجة والبرهان، ولا تكون دراسته دراسة نظرية تلقينية تقليدية جامدة، تجعله إذا خالط الناس واصطدم بما عندهم من أفكار ونظريات ومبادئ، كأنه بدوي دعي لحضور مؤتمر تتصارع فيه نظريات الفلاسفة والسياسيين والاقتصاديين، مع أن بعض تلك النظريات تتعلق بتخصصه.
وسأضرب بعض الأمثلة لتوضيح هذا المعنى:
المثال الأول: وجد في هذا العصر إلحادٌ مادي قوي ينكر وجود الخالق-فضلا عن استحقاقه العبادة واتباع رسله وتحكيم شرعه-قامت على أساس هذا الإلحاد دول ووضعت له فلسفات ومناهج تعليم وإعلام، واتخذت لنشره والدعوة إليه وسائل تبدأ بالإعلام وتنتهي بالسلاح، وخدعت به عقول واستجابت له حكومات.
والجديد في هذا الإلحاد هو انتشاره وقيام دول على أساسه، وقد كان في الأزمان الماضية مغمورا لا يوجد إلا لدى أفراد أو جماعات قليلة، لا وزن لها بين الناس.
وكان إقرار الأمم بالخالق دليلَ الرسل على قومهم المقرين به، بأن الخالق الذي أقرت به تلك الأمم هو وحده الإله المعبود الذي يستحق العبادة.
ولهذا لم تكن الرسل في حاجة إلى أن يَنْصَبُوا في دعوة أممهم إلى الإقرار بوجود خالق لهذا الكون، لأن ذلك من تحصيل حاصل ومن تبديد الجهد في غير مكانه.
كما قال تعالى: (( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) ) [المؤمنون: 84-89] .