فهرس الكتاب

الصفحة 19402 من 27364

عُباد الشيطان

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1045)

هشام بن محمد برغش

دمنهور

خالد بن الوليد

الخطبة الأولى

أما بعد:

لاشك أن أكثرنا أو جميعنا قد قرأ أو سمع بما تناولته الصحف ووسائل الإعلام من ظهور طائفة من عباد الشيطان أخزاه الله، وربما تعجب الكثير كما أظهرت وسائل الإعلام عجبها واستنكارها أن توجد هذه النوعية من الناس، وربما تعجب آخرون إذا قلنا أن هذا القطاع من الشباب إنما يمثل صورة واحدة من عبادة الشيطان، وهذه الصورة وإن كانت تمثل قمة الانحراف وفساد الفطرة إلا أن هؤلاء الذين أنكروا عليهم وقع أكثرهم وهم لا يشعرون في عبادة الشيطان أيضا وإنما يزول عجبهم يوم يقفون بين يدي الحق جل وعلا فيقول لهم: ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون [يس:60-64] . ولكن ولات حين مناص فيومئذ لا ينفع الظالمين معذرتهم ولا تلاومهم وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم [إبراهيم:22] .

وإنما غفل هؤلاء وأولئك عن إدراك هذه الحقيقة لما أصابهم وأصاب الأمة كلها من قصور فهم. قصور في فهم معنى العبادة حتى أصبحت العبادة عندهم هي بعض الركعات وزكاة وصيام وحج، هذا في أحسن الأحوال، وإلا فإن أكثرهم أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولا يعرف الزكاة، والصيام عنده شهر لهو ومجون ومسلسلات وفوازير، وسفره إلى بلاد الكفر والفجور، والفساد أحب إليه من حجه إلى بيت الله الحرام، وغاب عن هؤلاء مفهوم العبادة الحق الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، فلما فسد تصور العبادة على هذا النحو وأصبحت قاصرة مبتورة المعنى فارغة المحتوى وقع هؤلاء في عبادة الشيطان وهم لا يشعرون تماما كما فسد مفهوم الشرك في حس الناس وأصبح هو تلك الصورة الساذجة التي تعلمناها في المدارس ويعرضونها في الأفلام التي يسمونها دينية - أنه أن يسجد الإنسان لصنم أو حجر وفقط فلما زالت هذه الصورة الساذجة أصبحنا - كما نعتقد أئمة التوحيد ووقع علينا قول ربنا: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف:106] .

وأُولى صور عبادة الشيطان التي وقع فيها هؤلاء وهم لا يشعرون عندما أعرضوا عن شريعة الرحمن وآثروا عليه شرعة الجاهلية والشيطان، فنحوا شرع ربهم وحاربوا سنة نبيهم ورضوا بحكم الجاهلية وهم يزعمون أنهم - رغم ذلك - مؤمنون ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً [النساء:60-61] .

ومن هذه الصور ظنهم أنهم يمكنهم أن يتخيروا من الإسلام ما يشاءون ويدعوا منه ما لا يوافق أهواءهم فيقولون مثلا: نطبق الإسلام في بعض المجالات مثل الأحوال الشخصية أو بعض السلوكيات والعلاقات الاجتماعية، أما في الاقتصاد، وأما في السياسة، وأما في العلاقات الخارجية.. فيقولون: لا، لأنه لم يعد يصلح، فاقتصاد العالم قائم على الربا وسياسة الدولة وعلاقاتها على ميثاق الأمم المتحدة وهلم جرا.

وهؤلاء متبعون خطوات الشيطان بنص كلام ربنا جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة:208] . أي ادخلوا في الإسلام ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا في كل شئونكم وأحوالكم وعلاقاتكم، وإلا فأنتم متبعون خطوات الشيطان إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر [محمد:25-26] . فكيف بمن يطيعونهم في الأمر كله؟!

ومن عبادتهم له أيضا إشاعتهم للعري ونشرهم للفجور وحبهم إشاعة الفاحشة في المؤمنين وهم إن لم يصرحوا بذلك بألسنتهم إلا أن أفعالهم خير دليل على ذلك، ويكفي أن تطالع وسائل الإعلام أو أن تنظر إلى مفاسدهم وعملهم في نشر الكفر والعقائد الباطلة نساء عاريات وصور فجور وزنا ودعارة ومحاولة تغليف ذلك بأغلفة الفضيلة والشرف وهؤلاء عباد للشيطان متبعون خطواته كما قال الحق جل وعلا: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وانتم لا تعلمون [النور:19] . ثم حذر الذين آمنوا من سلوك سبيلهم وسبيل شياطينهم يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر [النور:21] .

ومن صور عبادتهم للشيطان محاداة الله ورسوله والصد عن سبيل الله ومحاربة أوليائه وتشويه صورهم والتنكيل بهم، في الوقت الذي يوالون فيه أعداءه ويعظمونهم ويقربونهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت