فهرس الكتاب
رضا أحمد صمدي
عندما سقطت الخلافة العثمانية ظنت الدول الصليبية التي خططت وسعت لإسقاط الخلافة أن الإسلام قد قضى نحبه ، وأن المسلمين لن تقوم لهم قائمة بعد ذلك ، وقد استغرقت خططهم أكثر من قرن من الزمان ، بدءا من الحملة الفرنسية على مصر ، وانتهاء بمؤتمر لوزان الذي اشترطت فيه القوى العظمى إلغاء الخلافة حتى تعترف باستقلال تركيا بعد أن مزقتها الحروب المدبرة لإنهاك الدولة العثمانية كقوة عظمى .
ولم تكتف القوى الصليبية والصهيونية العالمية بهذا التفكيك السياسي الذي يعني عدم وجود سلطة سياسية دولية تدافع عن مصالح المسلمين ، بل سعت إلى تفكيك الوحدة العقدية التي احتمى بها المسلمون في شتى بقاع الأرض ، يظللهم دين واحد ، وتجمعهم عبادة واحدة وقبلة واحدة ، فاخترعت لهم دينا يظنون معه أنهم مستمسكون بالدين الحق ، وفي نفس الوقت ساعون في جادة التقدم والحضارة ، فانتشر الفكر السياسي العلماني الذي يقوم على تحييد الدين في المجال السياسي والاقتصادي وحصر مفهوم التدين في أداء العبادات المحضة وصرف اهتمام المسلمين عن الأحكام الشرعية في الجوانب الأخرى كالمعاملات والجنايات والسياسة وما إلى ذلك .
فبعد الانحلال السياسي ، تبعه انحلال عقدي وأخلاقي وفكري واجتماعي ، ظهر أنه مدبر من القوى الصليبية والصهيونية لجعل المجتمعات الإسلامية ذات سحنة غربية في كل منطلقاتها .
بل إن المشروع الصليبي تجرأ لدرجة دعوة المسلمين في بلاد الإسلام إلى النصرانية ، وكان التنصير يمارس دورا قذرا كالدور الاستعماري ، بل كانا في الحقيقة صنوان .
وتجاور مع هذا المشروع التنصيري مشروع ثقافي آخر لاستقطاب العقليات المفكرة ، وذلك بمسخ تلك العقليات والانتحاء بها ثقافيا إلى قبلة غير قبلة المرجعيات المعصومة التي يحترمها المسلمون .
فكان الاستشراق الذي غزا جامعات العالم الإسلامي بأبحاثه وباحثيه ، وارتقى في سلم التوجيه الثقافي حتى غدا متحكما في صياغة الفكر الإسلامي عبر قارات العالم .
ومن خلال هذا الثالوث ( الاستعمار السياسي والتنصير والاستشراق ) أصبحت الأصقاع الإسلامية ترزح تحت الاحتلال الصليبي سياسية وعقيدة وفكرا .
وتمطى الكفر وتبختر ، وصار يحرك أحابيله في أرجاء الكرة الأرضية عبر سطوته التي صار يرتعد منها المسلمون ،وعبر الأصابع الخفية التي كان يحركها من وراء ستار شخصيات مسلمة ليوهم بها جمهور المسلمين أن الفاعل لتلك الأحابيل في الحقيقة هم قادة المسلمين فتخف وطأة المعارضة ، وتمضي الخطة في طريقها دون عنت أو مواجهة .
وعندما انتفض جسد الأمة ليزيح عن كاهله وطأة الاستعمار بما ورثه من خراب اقتصادي وذل اجتماعي وهوان سياسي استطاعت الدول الاستعمارية أن تمسك بزمام تلك الانتفاضة ، فما من ثورة قامت إلا واستطاعت أن تطويها تحت جناحها ، أو تسحقها سحقا ، فما لبثت الدول الإسلامية أن رجعت خاضعة وذلت طائعة للاستعمار في صورته الجديدة ، متغلفا بستار قانوني دولي كعصبة الأمم ثم هيئة الأمم ، ومجلس الأمن ، وسيطرة الدول الدائمة العضوية فيه .
لم تكن الصورة مختلفة بعد الاستعمار ، أي بعد حصول الدول الإسلامية على استقلالها عما كان عنه قبل الاستعمار ، بل إن الدول الإسلامية كانت في إبان الاستعمار ذات شخصية مستقلة ، بينما هي بعد الاستعمار تنماع في فكر الغير وعقيدته وسلوكه وطريقة حياته ، بل في أخلاقه ومثله .
كانت هذه الصورة سوداء قاتمة للغيورين على حال هذه الأمة ، بينما كانت صورة مشرقة بهية لأصحاب التبعية والتقليد ، فما لبث أصحاب المعسكر الأخير يستعلن بهويته الحقيقية ، وهي النفاق الأكبر ، بل الإلحاد المحض ، وصار الدين يحارب من قادة الدول كما لم يحارب من المستعمرين ، وطفق المنافقون ( الذين تسربلوا من قبل بسربال الديانة ) يحصدون البقية الباقية من معالم الشريعة ، حتى ظن كل الناس أن الإسلام يحتضر ، وصار من يمشي في عواصم الدول الإسلامية الكبرى لا يجد كبير فرق بينها وبين عواصم الغرب الكافر أو الشرق الملحد .
وتحت وطأة هذا الواقع الأليم ، وفي كثافة ضباب الانحلال الذي عم الأرجاء ، وعبر ظلمة ليل التيه البهيم ، يبزغ نور خافت ، ظنه الناس نجما بعيدا لا حَظَّ للأرض منه إلا التماعة بعد التماعة ، وإذا بهذا النور يتعاظم حتى اكتمل ، فإذا هي شمس الإسلام الساطعة ، عادت في واقع الكفر العنيد والفسق العتيد ، لتنذر كل الناس أن نور الله باق ، ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) .
علت صيحة النذير في كل أرجاء العالم ، في جوف الكعبة ، وعند محراب الأزهر ، مرورا بمآذن كل الدول الإسلامية وانتهاء بأبراج كنائس أوروبا وأمريكا .
لقد كان نورا باهرا ، متى بدأ بالتحديد ؟ لا أحد يدري ، ولكنه عندما سطع أول مرة ، لم تقف أمامه قوة ، ولم تحل إية إرادة بينه وبين الانتشار .