عمار طالبي
لا تقتصر العولمة على تعميم القيم الاقتصادية وأنظمتها, بل إنها أخذت فعلا تعمم القيم الثقافية التي تكون لب حياة المجتمع, وبخاصة القيم الأخلاقية والدينية منها, إذ أن القيم الأخلاقية والدينية وما تؤدي إليه من سلوك فردي واجتماعي هي الأرضية التي تقوم عليها أنماط السلوك الاجتماعي, وهو ما يمثل الحياة الثقافية في مجملها, باعتبار أن الثقافة طريقة لرؤية العالم والتعبير عنه.
والثقافة التي تملك وسائل الاتصال القوية ووسائل صناعة الثقافة والرقابة عليها هي التي أخذت تهيمن اليوم عن طريق القنوات الفضائية والإنترنت, مما يؤدي إلى غلبة نماذج معينة من القيم الأخلاقية وأنماط معينة من السلوك والذوق, وخاصة لدى الأطفال الذين لم تتكون لديهم ملكة النقد, والحصانة الذاتية, فيقعون فريسة سهلة لما يعرض عليهم من صور مؤثرة, وأغان ورقص وأزياء, وتناول الأطعمة والأشربة, وغيرها من أنماط الاستهلاك عن طريق الإعلانات المكررة والصور الجميلة المؤثرة, مما يؤثر تأثيرا واضحا على المعتقدات والقيم, وبما يعرض بقوة وبمهارة من قيم مجتمع أجنبي, وتصرفات غير مقبولة في مجتمعاتنا نحن المسلمين, بما في ذلك التمرد على الأسرة وتفكيك علاقاتها المتماسكة, ونشر ما يتعارض مع مرجعياتنا وقيمنا من سلوك جنسي فاضح واستهلاك للمحرمات وما إلى ذلك.
إن الكلمة المؤثرة قديما فقدت كثيرا من تأثيرها, وحلت محلها الصورة التي لا يقف حاجز اللغة أمام تأثيرها, فالذي لا يفهم اللغات الأجنبية يكتفي بالصورة المعبرة.
ربما أدى هذا الاكتساح للقيم, وهدم العلاقات الأسرية, والهجوم على المرجعيات والقيم الثقافية إلى رد فعل, يتمثل في تفجير أزمة الهوية فيرجع الناس إلى التقاليد القديمة والعصبيات القبلية أو القومية الضيقة, التي تؤدي إلى سلوكيات ربما كانت أسوأ مثل التطهير العرقي, أو يحتمون بثقافتهم الأصلية بطريقة تؤدي إلى جمودها, وعدم تفتحها على الثقافات الأخرى, وقد نشاهد جماعة من المهاجرين الأتراك مثلا في ألمانيا يقتصرون على مشاهدة الأفلام التركية وهم مقيمون في ألمانيا, ينقلون هويتهم معهم ولا تتقطع الصلة بينهم وبين مجتمعهم الأصلي, وكذلك بفعل المهاجرون المسلمون في فرنسا, والأكراد في ألمانيا, وقد يؤدي ذلك أيضا إلى ظهور الأقليات العرقية وسلوكها العنيف مما يهدد السيادة الوطنية لبلد ما من البلدان, ويمزق وحدتها الثقافية السائدة, وعقيدتها الدينية.
وهذا التهديد الثقافي والديني قد يؤدي أيضا إلى فرار الناس إلى الدين, يلوذون به, ويحتمون بعقائدهم لدرجة التعصب والعنف والقتال, لأنهم يشعرون أنهم مهددون في أعز شئ عندهم. ولشدة خوفهم من الاستئصال والانسلاخ قسرا عن معتقداتهم, لأن الصراع يسهل أن ينشأ عندما يشعر الإنسان أنه مهدد في جانب من ذاتيته.
وقد تمت دراسات ميدانية في مجال تأثير الأقمار الصناعية على القيم الثقافية ومنها الأخلاقية والدينية على عدد من البلدان منها بالنسبة للعالم الإسلامي: السعودية واليمن والأردن ومصر وتونس, ومنها بلدان أخرى خارج العالم الإسلامي.
من هذه الدراسات دراسة ناصر الحميدي الذي لاحظ أن التأثير على الجوانب الأخلاقية يأتي في الدرجة الأولى, مثل: الترويج للإباحية, والاختلاط وما إلى ذلك مما يخالف القيم الإسلامية, والترويج للسلع الأجنبية وخاصة بين النساء والأطفال, وهذا من الجانب الاقتصادي.
ومما أشارت إليه الدراسة التأثير على الجوانب العقدية والثقافية, والتأثير على الجوانب التعليمية والسلوكية من التشتت بين ما يتعلمه المرء في المؤسسة التربوية, وما يشاهده من برامج مناقضة لذلك, وإغراء النساء بتقليد الأزياء الغربية وأدوات الزينة, وكذلك التأثير على الروابط الأسرية.
وقام اتحاد الإذاعات العربية بدراسة في هذا المجال ومن نتائج ذلك أن المشاهدة الأسرية غير ممكنة في أحوال كثيرة, وغير مقبولة لوجود محاذير أخلاقية, وكذلك ارتفاع نسبة الإعراض عن مشاهدة البرامج الوطنية بحثا عن المتعة والترفيه, وترى العينة أنه بالرغم من وجود تباعد بين المشاهد والمضمون الإعلامي الأجنبي الذي لا يتلاءم مع تعاليم الإسلام ولا مع الواقع الاجتماعي العربي إلا أنه لا يخلو من تأثير.
ومن الدراسات الميدانية التي تمت لمعرفة تأثير المواد التلفزيونية الأمريكية على الشباب الكوري الجنوبي قام بها ( Mo r gan و Kang) ومن نتائج هذه الدراسة أن هذه المواد أدت إلى تأثير بالغ على القيم التقليدية الكورية, فأصبحت الفتيات الكويات أكثر تحررا من القيم الأسرية والأخلاقية, ويعتقدون أنه لا حرج من الممارسة الجنسية خارج الزواج, وأن ذلك من قبيل الحرية الجنسية, وأصبحن يرتدين الملابس الأمريكية, ويحتقرن العقيدة الكونفوشيوسية.
أما الفتيان فقد كان الأمر على العكس, إذ أصبحوا أكثر محافظة على التقاليد الكورية وأكثر كراهية للولايات المتحدة, وبين الباحثان أن هذا التعارض قد يؤدي إلى رد فعل معاكس مناهض للثقافة الأجنبية.