الزمان/ الجمعة 17 جمادى الآخرة 587هـ
المكان/ عكا - الشام
الموضوع / الصليبيون يحتلون عكا بعد حصار وقتال دام ثلاث سنوات.
الأحداث/
الثابت تاريخياً أن الحملات الصليبية على بلاد الشام استمرت قرابة القرنين من الزمان وأشرس وأشهر هذه الحملات هي الحملة الصليبية الثالثة التي جاءت عقب تحرير المسجد الأقصى وانتصار حطين العظيم بعد أن شعر الصليبيون في أوروبا بخطورة الأمر تقاطروا من كل مكان بأعداد هائلة من أجل استعادة ما فقدوه في الشام خاصة بيت المقدس، وسبب شهرة هذه الحملة هو ما كان من أمر مدينة عكا الساحلية وملحمة الصمود والمصابرة التي قام بها المسلمون أمام جحافل الصليبيين طوال ثلاث سنوات متصلة حتى سقطت هذه المدينة الباسلة في النهاية، ومدينة عكا كانت مسرح لعدة معارك بين المسلمين والصليبيين وتبادل المسلمون والصليبيون التناوب عليها حتى سارت في النهاية للمسلمين وكانت هذه المدينة آخر موطئ قدم للصليبيين في بلاد المسلمين.
تبدأ أحداث هذه الملحمة الخالدة سنة 585هـ في شهر رجب عندما كثر جمع الصليبيين في مدينة صور ذلك لأن الناصر صلاح الدين كان كلما فتح بلداً أو قلعة أعطي أهلها الأمان وسيرهم بأموالهم وعيالهم إلى مدينة صور بعد أن يأخذ العهود والمواثيق عليهم، ولما رأى 'المركيس' أمير صور الصليبي ذلك أثار الفتنة وكاتب ملوك أوروبا الصليبيين ليأتوا إلى الشام لإنقاذ المقدسات! ثم قام هذا المركيس اللعين بتحريض الرهبان والقسس وغيرهم على الترحال في بلاد الفرنج لتحريض الصليبيين في كل مكان على المجئ لانقاذ شرف المسيحية! فقام هؤلاء الرهبان والقسس بالسفر والتجول بين البلاد للتحريض وإثارة الهمم والعزائم على إنقاذ بيت المقدس وقاموا بتصوير المسيح - عليه السلام - وتصوير عربي معه والعربي يقوم بضربه وتعذيبه وقد جعلوا الدماء على المسيح فإذا سأل الناس ما هذا؟ قال هذا المسيح وهذا عربي يقوم بضربه وتعذيبه وقد مات من الضرب، مما أثار حمية الناس في أوروبا وبكوا وحزنوا وعزموا على الخروج لجهاد المسلمين وتحرير بيت المقدس، حتى خرج الكبير والصغير والرجال والنساء وخرجت مجموعة من النساء بنية القتال وراحة الغرباء 'أي زانيات' مما جعل كثير من فساق المسلمين ينحازون للصليبيين في القتال من أجل هذه النسوة، وبلغ تأثير هذه الحملة الدعائية الصليبية على خروج أعداد هائلة من شتى البلدان حتى أن بعض هؤلاء الأسرى حكى أن له والدة ليس لها ولد سواه ولا يملكون من الدنيا غير بيت وأن أمه قد باعت البيت وكل ما تملك وجهزته بالمال كله وسيرته لإنقاذ بيت المقدس، ولما ضافقت مدينة صور بما فيها من أهلها والقادمين من أوروبا قرروا التوجه لمدينة صيدا لاحتلالها ومنها إلى بيت المقدس ولكنهم عدلوا عن خطتهم وقرروا مهاجمة مدينة عكا الساحلية فنزلوا عليها في 8 رجب سنة 585هـ وضربوا عليها الحصار.
الخبر يصل للناصر صلاح الدين فيجمع الأمراء ويستشيرهم في الأمر هل يبادرهم بالهجوم الشامل عند عكا أم نسايرهم أثناء الحصار لكثرة جنودهم؟ وكان رأى السلطان الهجوم عليهم قبل أن يعسكروا عند عكا ولكن أمراؤه خالفوه وكان رأى صلاح الدين أصوب ولكن الله - عز وجل - إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه ثم كاتب صلاح الدين ملوك المسلمين فأتوا من كل مكان، واستطاع صلاح الدين أن يفتح ممراً للمسلمين من وسط الحصار يدخل فيه من يشاء ويخرج من وإلى المدينة وأدخل صلاح الدين ما شاء من الرجال والسلاح والأموال والمؤن ولو واصل المسلمون قتالهم في يوم أن فتحوا الممر لاستطاعوا أن يزيلوا الصليبيين من أماكنهم لأن القتال في أوله روعة قوية ولكن المسلمين آثاروا الراحة ثم القتال من غد.
في 21 شعبان سنة 585هـ اشتبك المسلمون مع الصليبيين حول عكا في معركة شرسة جداً كانت الدائرة في أول النهار على المسلمين واستشهد عدد من كبار الأمراء حتى كاد الصليبيين أن يأخذوا خيمة صلاح الدين نفسه ولكن الله - عز وجل - نصر المسلمين آخر النهار وقتل ألوف من الصليبيين وأسر مثلهم فأمر صلاح الدين برمي جثث القتلى في البحر الذي يشرب منه الصليبيون، ولما قتل هؤلاء الكفرة جافت الأرض من نتن ريحهم وفسد الهواء وانتشر الوباء، فتحول الناصر صلاح الدين من موقعه هذا إلى موضع بعيد حتى لا يصاب الناس بالأمراض وكان ذلك من أكبر مصالح العدو الصليبي فإنهم قد اغتنموا الفرصة فحفروا حول مخيمهم خندقاً من البحر وبنوا ستاراً ترابياً شاهقاً وجعلوا له أبواباً وتمكنوا في منزلهم ذلك وتفارط الحال على المسلمين داخل عكا.