فهرس الكتاب

الصفحة 26046 من 27364

هيثم بن جواد الحداد

الخطبة الأولى

الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولاً بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

وأشهد أن محمدا عبده الأمين، ورسوله المكين، حسن الله به اليقين وأرسله إلى الخلق أجمعين بلسان عربي مبين، بلغ الرسالة وأظهر المقالة، ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله المشركين وعبد ربه حتى أتاه اليقين.

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ {8} هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ {9} الصف

أمة الإسلام: نحن أيها المؤمنون نشاهد عدوانا جديدا على بلد من بلاد المسلمين، ها هي القوات الصليبية الحاقدة تغزو ديار المسلمين بجج واهية، وذرائع سخيفة

أيها المؤمنون هذه الخطبة عنوانها لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير

لا تحسبوا هذا العدوان الأمريكي على شعب العراق شرا بل هو خير، نعم والله نرجوا أن يكون خيرا.

يا قائدَ الظلم لا تغترّ إن لنا ركناً شديداً وقد وافاك إرشادُ

فالطائرات وما تحويهِ من عُدَدٍ والقاذفاتُ وأعدادٌ وإعدادُ

وقمةُ العلم في تطوير أسلحةٍ والراجماتُ وأبطالٌ وأجنادُ

تبقى أمام جنود الله خاضعةً فالله أكبرُ والتقوى هي الزادُ

يا قادةَ الظلم إن الحقَّ منتصرٌ وللمعامع فرسانٌ وقوّادُ

سلاحكم في الوغى درعٌ وقنبلةٌ والرعبُ فيكم بحول الله يزدادُ

ونحن أشواقنا لله أسلحةٌ عظمى ، ويحملها في الروع آسادُ

نشتاق للموت في عزٍّ وفي شرفٍ وفي السماءِ لنا جندٌ وإمدادُ

عباد الله: لقد عاش المسلمون بعد سقوط الخلافة العثمانية سنة 1917 حالة من التيه والضياع، لا سيما حينما جثم الاستعمار الغربي على بلاد المسلمين حقبا طويلة من الزمن، حيث بدأ في بعض بلاد المسلمين قبل سقوط الدولة العثمانية، ولم ينته إلا قبل مدة يسيرة من الزمن

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945، وخروج أمريكا بانتصار ساحق في اليابان، ودعمها لعدة دول أوربية أمام الألمانية الهتلرية، ظهرت هذه الدولة الأمريكية كأحدى أقوى دولتين في العالم.

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية في تصاعد مستمر، تصاعد في قوتها العسكرية، وتبع ذلك تصاعد في قوتها الاقتصادية، وبدأت في تصدير أنموذجها إلى العالم كله

وبدأت دول كثيرة من العالم تتلقى هذا النموذج الأمريكي بعين الرضا، وربما قامت على اقتباسه في كثير من جوانب الحياة، السياسية، والاقتصادية، والثقافية وهو أشدها خطرا، الأمر الذي جعل العالم كله ساحة للعب من قبل مصدروا الثقافة الأمريكية بكل أطيافها.

وهكذا أيها المؤمنون بدأ غزو لا بل اكتساح أمريكي شامل، ومدمر، وشديد على الأمة الإسلامية، وعاش المسلمون في تلك الفترة أحلك أوقاتهم على مر التاريخ، نعم كانت تلك أشد الأوقات سوادا على الأمة الإسلامية.

تلك الفترة التي كانت جموع المنتسبين إلى الإسلام يفتحون قلوبهم، وصدورهم، وعقولهم لتقمص القيم الأمريكية والثقافة الأمريكة، بل والحياة الأمريكية بكل أطيافها، حتى غدونا نتحدث عن نظام عالمي جديد، أو عولمة، بل إن الصحيح والواقع أن الذي يجري كان في حقيقته أمركة قذرة.

كان الدعاة يوصفون بضيق الأفق والانغلاقية ومحدودية التفكير، حينما يجأرون خوفا من استعمار جديد يجتاح عقيدة الأمة، تارة تحت غطاء الاقتصاد، وتارة تحت غطاء الديموقراطية، ومرات بدافع وتارة بدون غطاء ولا ستر.

كان الدعاة يواجهون بالسخرية والازدراء حينما يطالبون الأمة بتوحيد الصف، ونبذ الفرقة بشتى صنوفها.

كان الدعاة يلمزون بالإرهاب حينما يدعون الناس للعمل بما تمليه عليهم عقيدة الولاء والبراء، مثل التخلص من ولائهم للغرب النصراني.

كل هذا ولا مجيب ولا مستجيب ألا في دوائر ضيقة محدودة، وكأن الأمة دخلت في سبات عميق، الأمر الذي جعلنا نظن بأن طول العهد بالخنوع والجهل والانغماس في الشهوات يحتاج إلى نيران ملتهبة توقظ هذه الأمة، وتثير مشاعر الخوف من خطر الحريق الداهم لتتحرك نحو إنقاذ نفسها، بل إنقاذ البشرية كلها.

لقد حفظ الله هذا الدين، وجعل هذه الأمة خير الأمم، وجعل دينها ظاهرا على الدين كله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا {28} الفتح

فشاء الله جل وعلا أن يبعث هذه الأمة من جديد، وأن يجدد فيها إيمانها، وأن يعيدها إلى سابق عزها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت