بدايات سفور المرأة في العالم الإسلامي (4) :
المرأة اللبنانية
سليمان بن صالح الخراشي
هذه الحلقة من سلسلة"بدايات السفور"ستفاجئ كثيرين ؛ لأنها تتحدث عن نساء لبنان !
ونساءُ لبنان قد ارتبطن في أذهان كثير منا باللهو والطرب والغناء والرقص والبعد عن الأخلاق فضلا عن الدين ..
لأن هذا ما استطاع الإعلام العربي ترسيخه في عقولنا عن أولئك النسوة .
وأعلم أن في هذا ظلمًا وإجحافًا وبُعدًا عن الحقيقة التي يعلمها من زار تلك البلاد ، وتجول في مدنها وقراها وضيعاتها .. ورأى محافظة أهلها - رجالا ونساء - على دينهم وأخلاقهم الطيبة ؛ ولكن القلة الشاذة في بيروت خاصة - ومعظمهم من النصارى - قد شوهت صورتهم بين الناس .
ولهذا ينبغي على العقلاء من أهل تلك البلاد بذل الجهد لمحو الصورة الإعلامية المشوهة ، واستبدالها بصورة حقيقية حسنة ؛ ويكون ذلك بتأليف المؤلفات ، ونشر المقالات ، وتنفيذ البرامج عن الوجه الآخر للبنان المسلمة من خلال القنوات الإسلامية .. الخ
نعم: إن ضغوط الدول الغربية النصرانية على هذا البلد المسلم كبيرة وضخمة ، منذ سلخه من الدولة العثمانية ، حيث تصدير إخوانهم النصارى فيه ، وتمليكهم البلاد باشتراط أن يكون الحاكم نصرانيًا مارونيًا ، ومحاربة مظاهر الإسلام فيه ، والسعي في تغريب المسلمين .. الخ جهودهم . ومع هذا كله لابد من مواجهة هذا الكيد بنشر الدعوة الصحيحة ، وتوعية المسلمين هناك بدينهم وأخلاقهم ، والتأليف بينهم ؛ حتى يعود لبنان كما كان بلدًا إسلاميًا محافظًا .
أما عن حال المرأة في لبنان إلى وقت قريب قبل أن يغزوها التغريب في عهد الاستعمار الغربي ، فقد تعجب إذا أخبرتك بأن المسلمة هناك كانت تستر وجهها بالنقاب ! وسيزداد عجبك إذا علمت أن المرأة اللبنانية النصرانية كانت مثلها تستر وجهها بالنقاب !
يقول الدكتور النصراني فيليب حِتي في كتابه"تاريخ لبنان" ( ص 516 - 5518 ) متحدثًا عن أحوال بيروت:
( أثناء السنوات العشر التي احتل فيها المصريون سورية تغلغل النفوذ الغربي إلى داخل البلاد ، وأصبحت بيروت الميناء الرئيس ، وهو وضع احتفظت به إلى يومنا هذا .. - إلى أن يقول في وصفها - لم يكن مألوفًا أن يُرى الرجل متأبطًا ساعد امرأة خارج البيت ، وقلّ أن يرى المرء في شوارع بيروت رجالا أوربيين يرتدون ملابسهم الغربية . وإذا تجرأت امرأة غربية - زوجة قنصل أو تاجر - أن تنتقل خلسة من بيت إلى بيت فإن ذلك كان أمرًا يسترعي انتباه الناس ) .
إلى أن يقول:
( لم تكن هنالك مدينة لبنانية أخرى تستطيع أن تنافس بيروت . فطرابلس كانت بلدة صغيرة سكانها سبعة آلاف نسمة ، وكانت صيدا فقدت عظمتها ورونقها ، أما صور فقد كانت تغط في سبات العصور المتوسطة . وفي جميع هذه المدن كانت المرأة النصرانية تغطي وجهها بحجاب كما تفعل المرأة المسلمة ) . انتهى كلامه .
أما عن المرأة المسلمة هناك ؛ فيقول الشيخ محمد رشيد رضا ( اللبناني الأصل ) متحدثًا عن زيارته للبنان وأحوالها في زمنه القريب:
( كانت المسلمات في بيروت أشد محافظة على التقاليد القومية من أمثالهن في سائر المدن السورية، فلم تؤثر فيهن عوامل التفرنج الذي غلب على نساء النصارى لا النافع الصالح منها ولا الضار المفسد ولا عوامل التترك الذي سرى إلى مسلمات دمشق ، فكن أشد مسلمات سورية جمودًا وكان رجالهن راضين بذلك ، ثم رغبوا في تعليم البنات فأنشأوا لهن مدارس ابتدائية ، وأنشأت الحكومة العثمانية مدرسة للبنات في بيروت كان جميع تلميذاتها من المسلمات ؛ لأن النصارى لا يرغبون إلا في مدارس الإفرنج .
ثم وجد في بعض شبان المسلمين الذين تعلموا في المدارس الأوربية والأمريكية وأثر فيهم التفرنج ميل إلى فرنجة النساء ، كان الرأي الاسلامي العام يقاومهم فيه وما زال صديقنا الأستاذ الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت زعيم هؤلاء المقاومين على عنايته بتعليم البنات وإشرافه عليه في عدة مدارس ) .
ثم تحدث عن تجربة"عزمي بك"والي بيروت ، و"أحمد مختار بك بيهم"في إنشاء الجمعيات النسائية الإسلامية - إلى أن قال -:
( أنشأ الزعيمان ناديا للنساء في سنة 1335(1971م ) وألفا له جمعية من كرائم المتعلمات منهن باسم"جمعية الأمور الخيرية للفتيات المسلمات"ثم أسس هؤلاء الكرائم مدرسة لتعليم البنات ، وكان النادي يعقد اجتماعات نسائية يحضرها النساء والمستحسنون لهذا العمل من الأدباء والأطباء ويلقون فيها الخطب والدروس التي اصطلح كتاب العصر على تسميتها بالمحاضرات ، ويسمعون من أعضاء النادي الكرائم ما يلقينه فيه ويتحدثون معهن في المسائل الأدبية والاقتصادية والصحية وتدبير المنزل والتربية ، وإنما يكن مع الرجال سادلات على وجوههن النقاب الإسلامبولي الأسود ، لا سافرات ) ، ثم ذكر موجز محاضرته التي ألقاها في الجمعية السابقة . ( انظر: رحلات محمد رشيد رضا ؛ للدكتور يوسف ايبش ، ص 244 - 247 ) .
متى بدأ تغريب المرأة اللبنانية ؟!