سامي خشبة
وعندما جاءت العولمة , جاءت محمولة علي أعناق وأكتاف ثورة الاتصالات ; أي طوفان الموجات الالكترونية الضوئية السرعة ; المرئية / المسموعة / المقروءة , التي تتحول بها كل ما تتخذه المعاني من أشكال أو قوالب أو رموز , أي تتحول بها رسائل المعلومات والأخبار والأفكار والتوجيهات والأوامر والايحاءات ودلالات الأعمال الفنية الدرامية والتشكيلية والموسيقية .. تتحول إلي صور وكلمات وأصوات , بالألوان والأصداء الطبيعية والاصطناعية . فالعولمة ـ بأي مفهوم لها , إيجابي أو سلبي ; اقتصادي أو ( و ) سياسي أو ( و ) ثقافي أو ( و ) استراتيجي ـ ما كانت لتأتي بالصورة التي نواجهها منذ أواخر القرن العشرين , وتزداد وضوحا وحدة منذ البداية الفلكية للقرن الحادي والعشرين لولا ثورة الإتصالات ...
غير أن ثورة الاتصالات التي حملت أمواجها وأدواتها حقائق العولمة أو تحولها في كل لحظة إلي حقيقة فعلية تعيشها البشرية كلها تقريبا ـ تستسلم لها أو تقاومها أو تتفاعل معها ـ لم تكن مجرد ثورة في التقنيات الفنية ; وإنما كانت ثورة متعددة الوجوه , الثقافية , السياسية , الاقتصادية والاستراتيجية , بهذا الترتيب كما سنري بعد قليل , تمكنت من توظيف التقنيات ( أو: التكنولوجيات ) الجديدة لنشر أفكار وتوجهات وايحاءات ودلالات بعينها , وتحقيق السيادة علي عقول البشرية كلها ـ عن طريق المواد الثقافية المتعددة الأنواع: من المعلومات إلي الأخبار إلي التحليلات في شكل ندوات وأحاديث .. إلخ .. حتي الأفكار والمذاهب والتصورات الأعمال الفنية وانماط السلوك ...
بهذا الشكل , وفيما يجمع علماء الثقافة المعاصرة , الذين لا ينشغل أكثرهم إلا بدراسة العلاقة بين الثقافة ووسائل الاتصال الحديثة , تضاعف ـ دون حدود تقريبا ـ تأثير الثقافة علي اختيارات الجماعات الانسانية , إلي الدرجة التي يلغي معها مبدأ الاختيار ذاته , أو مبدأ الحرية الجماعية القومية والفردية الشخصية , علي حد ما يطرحه فيلسوف ما بعد الحداثة الأشهر , الفرنسي فرانسوا ليوتار في كتابه: تفسير ألما بعد حداثي:
( نشر جامعة مينيسوتا ـ 1995 ـ ترجمة جماعية حررها جوليان بيفانيس ومورجان توماس . وكتب التعقيب عليها فالد جود زيش ) ...
كانت الثقافة ( أو: المعرفة عند ليوتار وزملائه ) ابداعا جماعيا وفرديا تحكمه وتستثمره أفكار ومباديء كبيرة ( يسميها: سرديات كبري ـ في محاولته لتسميتها بكلمة محايدة ) وكانت هذه الأفكار والمباديء تجمع بين الأسس الاجتماعية والسياسية والقواعد الأخلاقية والتوجهات المنهجية المختلفة عبر العصور والثقافات .. واستمر هذا الوضع بشكل أو بآخر حتي عصر الرأسمالية المتطورة التي حققت الثورة التكنولوجية ; وكان مجال الاتصالات من أهم المجالات التي تجلت فيها هذه الثورة ; وكانت المعرفة ( أو: الثقافة / أو: الثقافات ) أكبر أهدافها , وضحاياها ...
فالثقافة ( أو المعرفة ) لم تعد إبداعا ـ جماعيا ولا فرديا ـ وإنما أصبحت إنتاجا له قيمة وظيفية نفعية ( استخدامية واستغلالية بتعبير الاقتصاديين ) ... كما أصبحت سلسلة لا نهاية لها من الرموز الرقمية التي تزداد باستمرار , ويتم تجميعها , واعادة تجميعها علي الدوام ـ مثل مكونات
أي جهاز أو آلة أخري , حسب المنفعة ـ أي الاستخدام أو الاستغلال المطلوبين من تجميعها ـ أو تفكيكها في كل مرة: هكذا تفصل الثقافة / المعرفة ـ ليس فقط عن طبيعتها التاريخية: بوصفها ابداعا جماعيا وفرديا / جماعيا ; وإنما تفصل أيضا عن مبادئها وأفكارها الحاكمة: الاجتماعية / السياسية ( أي: القومية ) والمنهجية ( أي: العلمية ) لكي تؤدي المنفعة التي تطلبها القوي المتحكمة في كل من إنتاج المعرفة ( الثقافة الجديدة ) وفي توزيعها وبثها للتحكم في وعي البشر , وفي اختياراتهم ... فيلغي ـ في الحقيقة ـ مبدأ الاختيار ذاته , أو مبدأ الحرية: حرية الأمم , والأفراد .. علي السواء , مع مجيء العولمة محمولة علي أمواج طوفان ثورة الاتصالات .
هذه الحقيقة استخلصها علماء ثقافة معاصرون من مدارس وتيارات وجنسيات عديدة ; حاول بعضهم أن يقدمها باعتبارها التطور الطبيعي والايجابي للثقافة الانسانية في عصرنا , وللحياة الانسانية بالتالي ; ولكن أكثرهم ـ في الغرب خصوصا ـ اتخذوا منها موقفا نقديا , باعتبارها ظاهرة خطيرة تهدد الليبرالية أو الديموقراطية ـ الاجتماعية والسياسية والفكرية الثقافية ـ في بلدان الرأسمالية ( الليبرالية ) المتطورة ذاتها , مثلما هدد الاحتكار الصناعي والمالي أسس الليبرالية الاقتصادية في الماضي ; ويهدد بالتالي بتحويل هذه الليبراليات التي أقامتها حركة الحداثة منذ الثورات السياسية القومية والاجتماعية: الانجليزية والأمريكية والفرنسية علي التوالي في القرون من السابع عشر إلي الثامن والتاسع عشرتحويلها إلي نظم شمولية , فاشية النزعة يسمونها الآن الفاشية اللينة .