قل كل يعمل على شاكلته (جيش صلى الله عليه وسلم في سمرقند)
البتار
الحمد لله ثم الحمد لله و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و نشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله و رسوله ؛ عباد الله أوصيكم و نفسي بتقوى الله عز وجل و أحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله و خير الهدي هدي نبيكم محمد صلى الله عليه و آله و سلَّم و إنَّ من كلامه تعالى قوله: ( قل كلٌ يعمل على شاكلته فَرَبُّكُم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ) (1) ؛ كلٌّ يعمل على شاكلته ؛ أي على ما هو دأبه و طريقه ؛ ما هي شاكلة الأمة المسلمة في البناء الإيماني و النفسي لأبنائها؟ و ما هي الآثار البعيدة لذلك على مستوى الأمة و الدولة و الحضارة ؟
عُمَرُ رضي الله عنه سلبَ النوم منه قول صلى الله عليه وسلم: (ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين فيموت و هو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة) (2) ؛ هموم الأمة المسلمة امتزجت بروحه و قلبه ، ومرةً بعد جولة ليلية متعبة تفقد فيها الرعية ، جلس ليستريح قليلاً فسمع امرأة تقول لابنتها: قومي إلى اللبن فامذُقيه ، أي زيديه ماءً ؛ قالت البنت: قد نهى عمر عن ذلك ؛ قالت الأم: امذقيه فإن عمر لا يراك ، قالت البنت: يا أماه فأين رب عمر! هذه هي أمة الإسلام حُكَّامُ عَدْ لٍ و رعيةُ التزام ، و علَّم عُمَرُ الخِباءَ بعلامة و عاد إلى أبنائه يخبرهم عن فتاةٍ صالحةٍ تقيةٍ لا يُفرط بها: زوجة صالحة و امرأة تقية وسكنا ، فزوجها ابنه عاصم و بارك الله لهما فكانت لهما ابنة وافرة العقل جميلة الخَلقِِ و الخُلُقْ تزوجها عبد العزيز بن مروان و رزق عبد العزيز من حفيدة ابن الخطاب رجلاً ملأ الدنيا عدلاً! ذلكم هو عمر بن عبد العزيز.
( قل كل يعمل على شاكلته ) صاحب التقوى يبحث عن التقوى و صاحب المال يبحث عن المال ، وشاكلة التقوى في الأسرة المسلمة تمتد في ذراريها ، وقد عاش عمر بن عبد العزيز في شبابه عيشة ترف مدهش و رأى من النعيم ما لم يره أحد ، ولكن شاكلته الأولى تجمعت ثم انبثقت فتدفق الخير و العدل و الأمن و الإيمان.
أما مربيه الأول فكان عالم الأمة عبد الله بن عمر ، وأما أساتذته فأئمة فحول: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، و أنس و السائب و عبادة .. ، ورغم كل ماعاشه من ترف فإن البداية التربوية الأولى حفظته (ومن صحت بدايته صحت نهايته) وقد تأخر يوماً عن الصلاة فسأله مؤدبه صالح ابن كَيْسان عن السببِ فاعتذر بأن مُرجِّلته كانت تُرَجِّل له شعره! فكتب المؤدب بذلك إلى أبيه عبد العزيز ؛ فحلقَ له شعره كله كيلا ينشأ مترهلاً مدللاً سخيفاً وصدق الهادي صلى الله عليه و آله و سلم فيما أخرجه عنهُ ابن حبان: (إن الله سائلٌ كُلَّ راعٍ عما استرعاه حفِظ أم ضيع حتى يُسألَ الرجلُ عن أهل بيته) (3) و تمضي الأيام فإذا بأمر الخلافة العظمى يوكلُ إلى عمرَ بن عبد العزيز فحمله حملاً أضناه و أتعبَ كلَّ من أتى بعدَهُ ، وصارَ حُكمه فضيحة لكل من تولى الأمر بعدَهُ . لقد تجمعتْ شاكلةُ البصماتِ العمريةِ فخرجت كُلُّها في ابن حفيدتِه .
أتته امرأة من أقصى حدود دولته التي امتدت ما بين الصين و فرنسة و سألت عن قصره فدلوها على دار شديدةِ التواضع ، و إذا بالدارِ رجل يُطينُ الجدارَ و امرأةٌ تناولُهُ الطينَ ، قالت لها: ألا تحتجبينَ من هذا الطيان فقالت: إنه أميرُ المؤمنين! وأجيرة الطيان هي فاطمةُ التي قال التاريخُ عنها أنها كانت (زوجةَ خليفة ؛ بنتُ خليفة ؛ أُختُ أربعةِ خلفاء ، وعمةُ خليفتين) . ومرض ابن عبد العزيز و عاده أخو زوجته مَسْلمَة فلما خرج قال لأخته اغسلي قميص أمير المؤمنين فإنه وسخ ، والناس تزوره فلما رَجَع بعد أيامٍ وجد القميص لم يغسل فأعاد القول ، وزاره ثالثة فإذا بأمير المؤمنين ما يزال في قميصه يئن مريضاً متوجعاً ، و أغلظ مَسْلَمة لأخته الكلام فأحنت رأسها وخرج صوتها من بين دموعها وقالت: والله ماله قميص غيره!!
قد أتعبت يا عمر من بعدك و فضحت لصوص الأمة ؛ وتحقق حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله جعل الحق على لسان عمر و قلبه) (4) بل امتد معناه في ابن حفيدته ابن عبد العزيز!
( قلْ كلٌ يعملُ على شاكلَته ) ولعمرَ بن عبد العزيز وِقفات حبس التاريخ فيها أنفاسه ، فما رأى بعد عدلاً ومساواة ولا إحساناً أوإنصافاً يتدفق مثلما تدفق في عهد خامس الراشدين ، و هاكم شاكلةٍ عمريهٍ مذهلةٍ: الإسلام في أوج قوته وراية لا إله إلا الله تمتد في الأرض أسرع من انتشارِ ضوء الصباح ، والدولة الإسلامية أعظم قوة حضارية على وجه الأرض وخليفةٌ واحدٌ في دمشق تنقاد له بلادٌ ممتدة ما بين مشرق الأرض إلى مغربها ، وبعيداً آلاف الأميال عن عاصمة المسلمين وفي ظلمة الليل خرج رجل تقدح عيناه بالشرر يتلفت حوله بحذر حتى طرق أحد الأبواب باحتراس شديد و أعطى كلمة السر ففتح له الباب ؛ فاجتازه إلى غرف دخل من مكان سري في أحدها إلى سراديب مظلمة يضيئها لهب أزرق يضفي ظلالاً مرعبة على المكان!حتى انتهى إلى غرفة صخرية فيها سَدَنَةُ آلهة دميمة.