فهرس الكتاب

الصفحة 11809 من 27364

إدريس الكنبوري * 5/2/1426

يمثل اتحاد المغرب العربي حالة فريدة بين جميع التجمعات الأقليمية العربية، فقد بدأ من حيث انتهى، ولم يستطع أن يبقى على قيد الحياة سوى أربع سنوات تقريباً لم يحقق خلالها الشيء الكثير من الطموحات الكبرى التي تأسس عليها طبقاً لمعاهدة مراكش عام 1989. وأحد الأسباب في أنه ظل موجوداً حتى هذا الوقت هو أن قادة البلدان المغاربية الخمس المنشئة له بقيت وفية لذكرى التأسيس، فكانت برقيات التهاني المتبادلة لدى كل مناسبة محطّة للتذكير به، والتطلّع إلى بعثه من جديد، أما خارج هذه المناسبة السنوية فقد ظلت مؤسساته مجمّدة وهياكله بدون روح.

وقبل أسابيع مرت مناسبة التأسيس بدون أن تثير كثير اهتمام، ولم تفعل الصحافة المغاربية أكثر من نشر برقيات التهاني والتعبير عن الأسف لعدم قدرة الاتحاد المغاربي على تجاوز معوقاته الداخلية واستئناف المسيرة مجدداً، في وضع إقليمي ودولي مختلف تماماً في معطياته عن مرحلة التأسيس. فقد أُنشئ الاتحاد في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي متزامناً مع مرحلة مخاض دوليّ وقارّي، أهم معالمه انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، مع ما جره ذلك التحول من تحريك لبعض الأنظمة العربية والمغاربية التي كانت تسير على النمط الاشتراكي، فبدأت تميل تدريجياً ناحية اقتصاد السوق وخصخصة القطاع العام، وترافق ذلك مع بزوغ رغبة أمريكية في الهيمنة على مقاليد الأوضاع في العالم وفرض القطبية الأُحادية، وبروز القناعة لدى عدد من البلدان العربية والأفريقية بأن العصر الجديد سيكون عصر التكتلات، مستضيئين آنذاك بالنقاش الذي فُتح داخل المجموعة الأوروبية حول التمدّد شرقاً والتحول إلى الاتحاد الأوروبي، وظهور النقاش بشأن العملة الأوروبية الموحدة التي أصبحت في بداية القرن الحادي والعشرين واقعاً ملموساً.

ضمن هذه الزاوية كان التفكير في إنشاء الاتحاد المغاربي في تلك الفترة استجابة معقولة ومنطقية لأسئلة المرحلة ومحاولة بدت جادّة لوضع قطيعة مع مرحلة هيمنت فيها المصالح الضيقة على بعض أنظمة المنطقة على حساب مصالح شعوبها، وأدّت إلى خسائر سياسية مكلفة، وكان على رأس تلك الخسائر قضية النزاع المفتعل على الصحراء الغربية الذي استثمرت فيه كل من المغرب والجزائر رصيداً هائلاً من الجهود الداخلية للبلدين، وأوجدت سباق تسلح استنزف موارد الدولتين، وأحدث شرخاً في المنطقة بين المشروع الأمريكي والمشروع السوفياتي لفترة استمرت طيلة أزيد من ثلاثة عقود من الزمن، وسرعان ما أظهرت أنه لا جدوى من المواجهة السياسية والعسكرية بين البلدين، وأرهقت التكاليف المالية والعسكرية كاهل الدولتين، مما خلّف مجموعة من الآثار السلبية على بلدان المنطقة وشعوبها. وقد بدا لأول وهلة أن إنشاء الاتحاد كان بمثابة توديع للمرحلة الثقيلة هذه والدخول في عصر الاندماج الإقليمي الذي يضع النّجاعة والمردود أساساً للحكم على أي نهج سياسي جديد، في حقبة تتميز بغلبة الاقتصادي على السياسي وإعطاء الأولوية لسياسات التنمية عوض تنمية السياسات.

وفي واقع الأمر فإن الاتحاد المغاربي قد انتهى عملياً في بداية التسعينيّات من القرن الماضي، أي بعد أقل من ثلاث سنوات على إطلاقه. فالأزمة الجزائرية التي اندلعت في عام 1991 والدخول في دوّامة الحرب الداخلية وانتشار العنف، بعد انقلاب الجيش الجزائري على الانتخابات البلدية والتشريعية التي شهدتها البلاد وفازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، أوقفت محرك الاتحاد عن الاشتغال، وأدخلته غرفة الانتظار التي استمرت طويلاً بفعل التحوّلات السياسية السريعة في الجزائر وظهور المؤسسة العسكرية كفاعل رئيس في إدارة الصراع السياسي في الداخل والخارج، ومجدداً كانت قضية الصحراء الغربية هي الورقة المركزية في كل هذه التحولات بحيث لم تخضع لقانون التحول هذا في السياسات الجزائرية المتقلبة، فقد نشأ الصراع في الأصل كمحاولة من الجيش الجزائري للحيلولة دون تمدّد المغرب إلى الصحراء جنوباً ليصبح بذلك أكبر دولة مغاربية، وكان هدف الجزائر في عهد بومدين ألاّ يتحول المغرب إلى لاعب رئيس في المنطقة، في الوقت الذي كان النظام الجزائري يرى أنه داعية الاشتراكية في المنطقة وعدو الأنظمة الملكية، ومناصر حركات التحرر العالمية الاشتراكية في تلك المرحلة.

وقد ظل اتحاد المغرب العربي منذ اندلاع الأزمة الجزائرية مجرّد مشروع على الورق بانتظار أن تتجاوز الجزائر أوضاعها الداخلية، إلى أن جاء العام 1994 وطلب المغرب تجميد مؤسسات الاتحاد احتجاجاً على المواقف الجزائرية من الصحراء الغربية، وكان ذلك بمثابة استصدار لوثيقة رسمية تعتبر الاتحاد ميتاً، بعد فترة انتظار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت