فهرس الكتاب

الصفحة 5844 من 27364

{ سبحان الله عما يشركون}

ليس من طبيعة الدين الحنيف أن ينفصل عن الدنيا...

وأن يكون في ركن ضئيل يسمى بالأحوال الشخصية..

وسائر الأركان الأخرى تسلم لآلهة أخرى يضعون لها المناهج دون الرجوع إلى شرع الله تعالى.

ليس من طبيعة الدين أن يشرع طريقا للآخرة لايمر بالحياة الدنيا..

نعم ليس من طبيعة الدين أن نمنعه من التدخل في شؤون حياتنا ونفتري عليه ونقول:

"لاتدخلوا الدين في كل شيء"..

ونقول:

"خل دينك لنفسك"..

أو نقول على سبيل المثال:

"إن قضية حجاب المرأة واختلاطها بالرجال ليست قضية دينية"...

لا، ليس دين الله هكذا أنزل...

بل أنزل ليحكمنا في كل صغيرة وكبيرة، رجالا ونساءا، وكل قضايانا دينية...

لكن من أين جاء هذا المسخ إذن؟..

من أين جاء الزعم بأن من الخطأ إدخال الدين في كل شيء؟..

وكيف وقع هذا التصادم والفصام بين الدين وقضايانا الحيوية كالاقتصاد والاجتماع والثقافة والعلم والأخلاق؟..

كيف وقع هذا الفصام بين الدين والحياة، ومن أين بدأ؟..

هل بدأ عندنا؟، أم أنه بدأ عند غيرنا ثم انتقل إلينا؟...

لقد وقع هذا الفصل في أوربا في ظروف نكدة، وكانت له آثاره المدمرة على أوربا، ثم في الأرض كلها حين طغت التصورات والأنظمة الغربية على البشرية كلها..

لنفهم كيف وقع الفصل لنعد بالحديث إلى عهد موسى عليه السلام..

لقد جاء موسى بالتوراة لتكون منهجا لحياة بني إسرائيل..ثم جاء عيسى عليه السلام بالإنجيل ليكون المنهج المعدل لبني إسرائيل..

ولكن اليهود لم يقبلوا رسالة المسيح، ومن ثم قاوموه، وانتهى بهم الأمر إلى إغراء بيلاطس الحاكم الروماني على الشام يومئذ بقتله وصلبه، لولا أن الله رفعه إليه..

ثم سارت الأمور بعد ذلك بين اليهود وأتباع عيسى عليه السلام سيرة بائسة، انتهت بانفصال أتباع المسيح عن اليهود، وانفصال النصرانية عن اليهودية، مع أن عيسى جاء تكملة لما جاء به موسى عليهما السلام..

وقد اضطهد أتباع المسيح من اليهود ومن الرومان، مما اضطر الحواريين وأتباعهم إلى التخفي والعمل سرا فترة طويلة، تناقلوا خلالها نصوص الإنجيل وتاريخ عيسى عليه السلام وأعماله تناقلا خاطفا في ظروف لاتسمح بالدقة ولا بالتواتر، وأقدم هذه الأناجيل كتب بعد المسيح بنحو 40سنة، وبهذا لم يحفظ الأنجيل، ولم يسطر كما أنزله الله، فكانت هذه الخطوة الأولى في طريق تحريف الدين، ومن ثم نبذه فيما بعد..

ثم تلتها الخطوة الثانية:

فقد دخل بولس في النصرانية، وبولس كان يهوديا من ألد أعداء المسيح، وفجأة انقلب فصار من أتباعه، وذلك بعد موت المسيح، وتبوأ مركزا هاما في النصرانية، حتى صار في مقام الرئيس وسمي بـ"الرسول"، فتسنت له الفرصة ليدخل فيها ماشاء من الوثنية الرومانية والفلسفة الإغريقية، ومن ذلك عقيدة الحلول، فكانت هذه الخطوة كارثة كبرى على النصرانية..

ثم تلتها الخطوة الثالثة في طريق نبذ الدين في أوربا..

وهي اعتناق قسطنطين الحاكم الروماني للنصرانية وسيطرة الحزب النصراني على الحكم..

كان قسطنطين لايبال بالدين، فسهل على المنافقين أن يمزجوا بين الوثنية والنصرانية مستغلين مناصبهم العالية، وكانت من نتيجة ذلك أن ظهر دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء..

ساعد على هذه تعميق الانحراف في هذه الخطوة الخلافات السياسية والعنصرية، فقد أصبحت العقيدة النصرانية عرضة للتغيير والتنقيح لتحقيق أهداف سياسية..

فهذه ثلاث كوارث حلت بالنصرانية..

اضطهاد أتباعها منذ الأيام الأولى مما منعهم من تسطير الإنجيل تماما كما أنزل بالدقة..

واختلاط الوثنية بها على يد بولس أولاً..

ثم على يد قسطنطين الحاكم الروماني ثانيا..

ومن ثم صارت النصرانية غريبة كل الغرابة على طبيعتها كدين إلهي منزل، فلم تعد قادرة على أن تعطي التفسير الصحيح لحقيقة الوجود وصلته بالخالق، وحقيقة الخالق وصفاته، وحقيقة الإنسان والغاية من وجوده، والنتيجة أن الدين النصراني لم يعد صالحا لأن يكون منهجا للحياة..

ومع ذلك فقد كان الرجل الأوربي يعيش تحت مظلته، يشعر بحرمته ووجوب الخضوع لتفسيراته وأحكامه مهما كانت غير منطقية..

ثم..

حلت الكارثة الرابعة..

والتي تمثلت في الخطوة الرابعة في طريق نبذ الدين..

وذلك أن الكنيسة أرادت أن تقف في وجه الترف الروماني وسعار الشهوات التي كانت الامبراطورية قد غرقت فيها، لكنها لم تسلك طريق الفطرة السوية لغياب المنهج الصحيح، فاندفعت في رهبانية عاتية، لعلها كانت أشأم على البشرية من بهيمية الرومان الوثنية، فأصبح الحرمان من الطيبات وسحق الغريزة عنوان الكمال والفضيلة، وغرق الرهبان في نوع من البدعة من الزهد مقابل الفجور الذي غرق فيه المترفون، فامتنعوا من الطيبات وحرموا الزواج على أنفسهم، ولم يكن علاجا لذلك الانحلال، بل كان عاملا من عوامل الفصل بين الدين والحياة في نهاية المطاف..

الخطوة الخامسة:

وكانت الطامة الكبرى يوم اكتشف الناس أن حياة رجال الكنيسة تعج بالفواحش في أشد صورها، مما أفقد الثقة برجال الدين، والدين من ثم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت