فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 27364

سليمان بن صالح الخراشي

يعظم مُصاب الأمة عندما تُبتلى بحاكمٍ لايهمه سوى إطالة بقائه على كرسي الحكم، وإن تلازم ذلك مع"مهانة وذلة"لأعداء الأمة، أو مع تضييع لدين الرعية المسلمة وأخلاقهم، وأحيانًا لاتلازم؛ ولكنه مرض القلوب بالشهوة، وتمكن البطانة الفاسدة. وتناسى هذا الحاكم وأمثاله وعيده صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو غاشٌ لرعيته لم يرح رائحة الجنة) أخرجه البخاري. وأي غشٍ أعظم من التمكين للمنافقين والمفسدين في المناصب - سواء إعلامية يستغلونها في نشر فسادهم أو غيرها - تحت نظر الحاكم الخائن المشارك معهم في حمل الأوزار؟

هذا ما حدث في البلاد المصرية المسلمة في الفترة التي وقعت فيها الواقعة التالية التي آذت شرفاء تلك البلاد وعانوا منها طويلا ولا يزالون؛ حيث تمكن (ثلاثة) مفسدين من تسهيل أمر الشر فيها مستغلين غفلة السلطان أو تغافله عنهم وعن مكرهم؛ إما مهادنة للعدو المحتل"الإنجليز"، أو لمرض القلب والفسق.

وتفاصيل ذلك - كما يقول صاحب بحث"المرأة المصرية والتعليم الجامعي": (أن بعض الفتيات لجأن إلى لطفي السيد مدير الجامعة يطلبن مساواتهن بالرجال في التعليم الجامعي، وأن بعض عمداء الكليات وأساتذتها طلبوا أن تقبل الفتيات الحائزات على البكالوريا في كلياتهم، وكان طه حسين هو أول من عرض على لطفي السيد قبول الطالبات في الجامعة، وحين سأله لطفي السيد: هل قانون الجامعة يمنع دخول البنات؟ أجابه بأن القانون يقول: إن الجامعة للمصريين ولم يحدد النوع! يضاف إلى ذلك أن بعض الصحف طالبت بضرورة أن يشمل التعليم الجامعي الفتيات، ولكن الموقف لم يكن سهلًا، فقد كانت هذه المسألة شائكة، خصوصًا أن أنصار هذا الرأي بالنسبة للرأي العام ككل كانوا قلة، وكان الأمر يستلزم التريث والتزام التكتم وعدم مناقشته أو عرضه على الرأي العام؛ حتى لا يثور المتزمتون ويتعقد الموقف، وفي غفلة من هؤلاء وضعت الجامعة الرأي العام والحكومة أمام الأمر الواقع عندما فتحت كلية الآداب أبوابها للطالبات ودخلتها أربع،، هن: سهير القلماوي، وفاطمة سالم سيف، وفاطمة فهمي خليل، وزهيرة عبد العزيز. ويتضح ذلك فيما كتبه لطفي السيد في مذكراته، إذ يقول"لا أخفي أننا قبلنا الطالبات أعضاء في الأسرة الجامعية في غفلة من الذين من شأنهم أن يُنكروا علينا اختلاط الشباب بأخواتهن في الدرس") .

ويتابع كاتب البحث قائلا: (وعن اختلاط الطالبات بالطلبة داخل الجامعة، فقد تحاشت الطالبات في أول دخولهن الجامعة أي صلة تربطهن بالطلبة، ودخلن قاعات المحاضرات مغطيات الرءوس، وامتنعن عن الاقتراب من الأماكن التي يتواجد فيها الطلاب، وتجاهلن التحيات الموجهة إليهن، ورفض الاشتراك في مناقشة الأساتذة خلال الدرس، وقد حاول الدكتور طه حسين أثناء عمادته لكلية الآداب تشجيع الاختلاط بين الطالبات والطلبة، ففي الحفل الذي أقامته الكلية في نادي الجامعة بمناسبة النجاح الذي أحرزه مشروع القرش في فبراير 1932، نشرت جريدة الأهرام صورة تظهر طلبة الكلية حول عميدهم طه حسين وقد جلست كل طالبة بجانب طالب، مما أثار الرأي العام وتوتر موقفه من الجامعة أكثر مما كان) . (المرجع: أبحاث"مئة عام على تحرير المرأة"575-563/1) .

وقد اعترف بهذا الهالك (طه حسين) في الاحتفال بتكريم أولى خريجات الجامعة في فبراير 1932م حيث قال في كلمته: (أظن أن موقفي الآن ولست من الرجال الرسميين- يسمح لي بأن أكشف لحضراتكم عن مؤامرة خطيرة جدًا حدثت منذ أعوام، وكان قوامها جماعة من الجامعيين، فقد ائتمر الجامعيون، وقرروا فيما بينهم أن يخدعوا الحكومة، وأن يختلسوا منها حقًا اختلاسًا لا ينبئونها به ولا يشاورونها فيه، وهو الإذن للفتيات بالتعليم العالي في الجامعة المصرية، وأؤكد لكم أيها السادة أنه لولا هذه المؤامرة التي اشترك فيها الجامعيون، وبنوع خاص أحمد لطفي السيد باشا وعلي إبراهيم باشا وهذا الذي يتحدث إليكم، لولا هذه المؤامرة التي دبرناها سرًا في غرفة محكمة الإغلاق لما أتيح لنا ولا للاتحاد النسائي أن أقدم إليكم الآن محامية مصرية وأديبات مصريات، اتفق هؤلاء الثلاثة فيما بينهم أن يضعوا وزارة المعارف أمام الأمر الواقع، وكان القانون الأساسي في الجامعة يبيح دخول المصريين، وهو وإن كان لفظًا مذكرًا ينطبق على المصريين والمصريات، وعلى ذلك ائتمرنا على أن تقبل الفتيات، فقبلناهن ولم نحدث أحدًا بذلك، حتى إذا تم الأمر وأصبح لهن حق مكتسب في الجامعة، علمت الوزارة أن الفتيات دخلن الجامعة) اهـ ص (23-24) من (حواء) العدد 1255/11 أكتوبر 1980م. وقد ذكرت الحادثة هدى شعراوي في مذكراتها (ص 443-444) ، وكانت ممن استمع لاعتراف طه حسين.

وللفائدة فقد كانت لمصر تجربة رائدة في التعليم النسائي الجامعي دون اختلاط قبل أن يُقحمها المفسدون فيه. (انظر البحث السابق، ص 564) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت