د. محمد بن سعود البشر 14/5/1426
جاءت كونداليزا رايس وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة إلى المنطقة العربيّة حاملة حزمة من الإملاءات الجديدة للحكومات والشعوب..
انطلقت من بلادها بعد أن وضعت بنفسها، وجمعت من غيرها ممن هم حولها في المؤسسة السياسيّة والفكريّة"الوصايا"الأمريكيّة للشعوب التي مرّغتها الغطرسة الأمريكيّة العسكريّة حتى ظنت أنها الآن جاهزة لاستيعاب درس"المعلم"!!
حطّت رايس في تل أبيب.. وكانت وقفتها الأولى لتأدية فروض الطاعة لمعقل الصهيونيّة الذي تغلغل في بلادها.. هناك تبسّمت لليهود.. وتمعّر وجهها للفلسطينيين، وصنّفت الجماعات الفلسطينيّة إلى موالية ومحبّة للسلام، ومعتدلة، ومتطرّفة. كانت الجماعات التي تنادي بتحرير الأرض المقدسة هي -بالطبع- المصنفة في خانة التطرّف.
في الأردن.. حاولت رايس أن يمثل الأردنيّون ورقة ضغط على الفلسطينيين حتى لا يغلوا في آمالهم، ولا يشطحوا في تمنيّاتهم، وأن يكونوا واقعيّين"براجماتيّين"في تعايشهم مع جيرانهم اليهود.
ونسيت وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة أن علماء السياسة وصفوا هذه النظريّة بأنّها (ملاذ الجبناء) .
ذهبت رايس إلى مصر.. انتقدت بشدة الحكومة المصريّة وهي ضيفة عليها.. لا بل عقدت لقاءً خاصاً مع بعض قادة المعارضة في بلد يُفترض أن تتأدب في زيارته، وألا تمارس دور"المفتش التربويّ"على المدير!!
وفي محاضرة عُقدت في الجامعة الأمريكيّة في القاهرة يطالب"الوصي"بتصحيح الأوضاع الداخليّة، ويدعو إلى الحريّة والشفافيّة في الانتخابات.
كان ذلك كله يتم بساقين سافرتين متقاطعتين وابتسامة مجاملة باهتة..
في الرياض احتشمت رايس في اللباس واعتدلت في جلستها، وكانت يداها ملتصقتين بجنبيها، لكن الستر الخارجي لم يمنع سفور المقصد؛ إذ انتقدت موقف الحكومة السعوديّة من دعوات الإصلاح!! ولا نعلم:
أيّ إصلاح تريد؟
إصلاح الدعوات المشبوهة في الخارج أم دعاوى الموالين لها في الداخل؟
أما الإصلاح الحقيقي الذي تريده الحكومة ويوافقها عليه الشعب فإن معاييره ومفاهيمه ربما لا تفقهه رايس، أوهي لا تريد ذلك.
العقل السياسي الأمريكي يدعو إلى الإصلاح، وهو أكبر مفسد في الأرض.. ويدعو إلى الديموقراطيّة وقد نحرها في العراق..
وإلى الشفافيّة السياسيّة، وهو أكبر مدلّس سياسيّ عانت منه الأمم المتحدة والمنظمات الدوليّة..
يدعو إلى الصدق وهو الكذاب الأشِر، بل إن بلاده أكبر مصنع للكذب والدجل؛ يدعو إلى حقوق الإنسان.. وهو يغتالها في"أبو غريب"و"جوانتانامو"و"دارفور"وفي أفغانستان كلها.. وفي غيرها مما لم يصله ضوء الإعلام..
أنا لست معنياً هنا برصد شواهد الظلم والكذب والاستكبار التي تمارسها الولايات المتحدة ضد شعوب المنطقة وحكوماتها، ولكني أقول: إن هذا"الوصي"أو"المفتش"لا بد أن يسمع كلمة"لا"عندما نعتقد أننا على حق في قولها.. وألاّ نقوم لهذا الضيف"احتراماً مطلقاً"أو"موافقة مطلقة".. فالكرامة لا تزال متجذّرة في العربي، فضلاً عن المسلم، وهو ما سمعناه في الرياض