[الكاتب: أبو بصير الطرطوسي]
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الذين لا يزالون يعتبرون الاختلاف على الديمقراطية هو اختلاف في الوسائل والفرعيات التي لا تمس الأصول والاعتقاد!!
إلى دعاة الترقيع، والتقميش، والتوفيق!!
إلى الذين لا يزالون يتذرعون بجهل حقيقة الديمقراطية!!
إلى الذين يُلبسون الديمقراطية - زوراً وبهتاناً - ثوب الشورى والإسلام!!
إلى الذين يرون في الديمقراطية الحل الأمثل لمشكلات الإسلام والمسلمين!!
إلى الذين يروجون للديمقراطية، ويدعون لها، ثم يزعمون بعد ذلك أ نهم مسلمون!
إلى هؤلاء وغيرهم نقول:
الديمقراطية؛ تعني حكم الشعب، واختيار الشعب، والاحتكام إلى الشعب؛ فلا تعلو سيادة الشعب سيادة، ولا إرادته إرادة بما في ذلك إرادة الله، التي لا اعتبار لها وليست لها أيَّة قيمة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين..
الديمقراطية؛ تعني أن مصدر التشريع والتحليل والتحريم هو الشعب وليس الله، ويتم ذلك عن طريق اختياره لممثلين ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين..
وهذا يعني أن المألوه المعبود المطاع - من جهة التشريع - هو الإنسان وليس الله جلَّ في علاه.. وهذا مغاير ومناقض لأصول الدين والتوحيد، يدل على ذلك قوله تعالى: (إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه) . وقوله تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا) ، وقوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله) ، وقوله تعالى: (و إن أطعتموهم إنكم لمشركون) . أي لأن عبدتموهم من جهة طاعتكم إياهم في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فإنكم لعابدون لهم من دون الله؛ لأن الشرك لا يطلق في القرآن أو السنة إلا لنوع عبادة تصرف لغير الله عز وجل.
وكذلك قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) ، فهم أرباب من دون الله لماَّ اعترفوا لهم بحق التشريع والتحليل والتحريم وسن القوانين من دون الله تعالى.
الديمقراطية؛ تعني رد أي نزاع أو اختلاف بين الحاكم والمحكوم إلى الشعب، وليس إلى الله والرسولل.. وهذا مغاير ومناقض لقوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) ، بينما الديمقراطية تقول: فحكمه إلى الشعب، وليس غير الشعب!
وقال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ، فجعل الله عز وجل من لوازم الإيمان رد النزاع - أي نزاع - إلى الله والرسولل؛ أي إلى الكتاب والسنة.
الديمقراطية؛ تعني مبدأ حرية الاعتقاد والتدين؛ فللمرء - في حكم الديمقراطية - أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء، ووقت يشاء، ولو أراد أن يرتد من الإيمان إلى الكفر والإلحاد فلا راد له ولا مُعيب عليه.
أما حكم الإسلام فهو على نقيض ذلك، وهويتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) ، وليس فاتركوه. وقوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة..) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله تعالى وحده لا شريك له..) .
ومعلوم أن الإسلام انتهى حكمه في أهل الكتاب إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية وهم صاغرون، وإما القتل والقتال. أما عبدة الأوثان من مشركي العرب وغيرهم فليس لهم إلا الإسلام أو القتل والقتال.
وكذلك يوم نزول عيسى عليه السلام - كما دلت على ذلك السنة - فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويسقط الجزية، ولا يقبل من مخالفيه - بما فيهم أهل الكتاب - إلا الإسلام، أو القتل والقتال.
على ضوء هذه الحقائق والنصوص، وغيرها من النصوص الشرعية ذات العلاقة بالمسألة يجب أن يفهم قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) .
الديمقراطية؛ تعني مبدأ حرية التعبير والإفصاح، أيَّاً كانت صفة هذا التعبير؛ ولو كان شتماً لله ولرسوله، وطعناً في الدين، إذ لايوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه أو التطاول عليه بقبيح القول.. وأي إنكار على ذلك يعني إنكار على النظام الديمقراطي برمته، ويعني تحجيم الحريات المقدسة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين.
وهذا عين الكفر في دين الله؛ إذ لا حرية في الإسلام لكلمة الكفر والشرك، للكلمة التي تفسد ولا تصلح، وتدمر ولا تبني، وتفرق ولا توحد.
قال تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) ، وقال تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) .
وهذه آيات نزلت في نفرٍ قالوا وهم في طريقهم إلى غزوة تبوك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء.. فكفروا بذلك بعد أن كانوا مؤمنين.
وفي الحديث فقد صح عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار) .
وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يارسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: (هذا) .