تباينت ردود أفعال المسلمين من الإساءة للنبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع أنحاء العالم، وكانت هذه الردود مختلفة: منهم من دعا إلى مقاطعة البضائع، ومنهم من دعا إلى التظاهرات والمسيرات، وآخرون دعوا إلى طرد السفراء الغربيين، ومنهم من دعا إلى الصلاة والسلام على الرسول وإلى الذكر، والدعاء على المسيئين حتى يتم الاعتذار من الحكومات التي أساءت للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بينما دعت الأنظمة الحاكمة على لسان بعض رؤسائها ووزراء خارجيتها ومنظمة المؤتمر الإسلامي إلى إصدار قرار من (الأمم المتحدة) يدين الإساءات...
إن دعوة الأمم المتحدة لنصرة المسلمين ورسول الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوة تضليل، فهيئة الأمم المتحدة نشأت أساساً على فكرة"رابطة الصليبيين المحاربين"، وقد وجدت هذه الرابطة عندما كانت الفتوحات الإسلامية من قبل دولة الخلافة العثمانية، وكانت المسألة الشرقية (وحدة المسلمين والجهاد من قبل دولة الخلافة العثمانية) تقض مضاجع الكفار الغربيين، فأوجدوا هذه الرابطة، ثم حولها وزير خارجية بريطانيا (إدوارد غري) إلى فكرة (عصبة الأمم) وتبناها بشكل كبير الرئيس الأميركي (وودرو ويلسون) الذي أراد أن يرى معاهدة فرساي تتضمن نصاً يدعو إلى إنشاء (المؤسسة الأممية) وتم بالفعل إدراج نص التأسيس في 25/1/1919م في الجزء الأول من المعاهدة.
ثم عقدت عصبة الأمم اجتماعات لها ولكنها عجزت عن حل النزاعات الثانوية، وكذلك وقفت عاجزة في الكوارث الطبيعية، ولم يكن لها قوات مسلحة، وعدم وجود أميركا والاتحاد السوفيتي أعضاء دائمين فيها، وانسحاب إيطاليا واليابان منها، وخروج ألمانيا أيضاً منها، وعدم الاكتراث بباقي دول العالم، أي أنها لم تكن تعمل بالشكل المطلوب للغرض الذي قامت من أجله. وفي فترة الحرب العالمية الثانية تم التفكير جدياً بتحويلها من (عصبة الأمم) إلى (هيئة الأمم المتحدة) وعقدت المؤتمرات في عام 1943م، وكان الذي سماها (هيئة الأمم المتحدة) الرئيس الأميركي (روزفلت) في 1/1/1942م، وأصبح اسماً للحلفاء في الحرب العالمية.
وفي 25/4/1945م عقد مؤتمر الأمم المتحدة لصياغة دستورها، وعقدت قبل ذلك مؤتمرات لتحديد أهدافها وأعضائها وميثاقها والعضوية فيها، وبعد أن صاغ الغربيون كل ذلك، ظهرت (الأمم المتحدة) إلى الوجود في 26/10/1945م، بعد تصديق الأعضاء الدائمين على دستورها وهم (الصين، فرنسا، بريطانيا، الاتحاد السوفياتي، الولايات المتحدة) ، ثم صادق مجلس الشيوخ الأميركي في 28/7/1945م على ميثاقها، وحدد مقرها في نيويورك مع فروع لها في أوروبا ومكاتب في بلدان أخرى.
إن الأمم المتحدة هي منظمة أنشأتها الدولة الكافرة وميثاقها مخالف للإسلام، ولم يكن في ميثاقها أيّ فكر من أفكار الإسلام، فالتحاكم إليها وإلى ميثاقها هو تحاكم إلى الطاغوت، ودعوة إلى تحكيم شريعة الكفر في الأرض، فالطاغوت هو (كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع) ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله).
قال المحقق ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) : «فهذه طواغيت الأرض إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى رسوله إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته... وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحبة ومن تبعهم، ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد» .
فلا عدل في ميثاق الأمم المتحدة، والعدل في شرع الله، ولهذا أمرنا أن نحكم بشرعه، قال تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ? [النساء 58] .
ولا يمكن تحقيق العدل إلا إذا حكم المسلمون بما أنزل الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ?وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ? [المائدة 49] .
وبصفتنا مسلمين يجب أن نرفض التحاكم إلى شرعة الكفر هذه، وليس لنا خيار إلا النزول عند أحكام الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ?فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ? [النساء 65] .