[الكاتب: غازي التوبة]
لم تكن هناك أمة مكونة في الجزيرة العربية عندما نزل الوحي على الرسو صلى الله عليه وسلم في غار حراء، بل كانت هناك قبائل متناحرة، ولهجات مختلفة، وأديان متعددة، وآمال متصادمة، وكيانات سياسية على أطراف الجزيرة العربية مستغلَّة من قبل الدول الكبرى في المنطقة، وهما؛ كيانا الغساسنة والمناذرة في الشام والحيرة اللذان كانا مرتبطتين بدولتي الروم والفرس.
وعندما توفي الرسو صلى الله عليه وسلم ترك على مستوى الجزيرة العربية كلها أمة موحدة تدين بكتاب واحد، وتتجه إلى قبلة واحدة، وتعظم ربّاً واحداً، وتتبع شريعة واحدة، وتقودها قيادة سياسية واحدة... إلخ.
ثم توسعت الأرض التي تعيش عليها هذه الأمة لتشمل بلاداً مجاورة كبلاد الشام وفارس في آسيا، ومصر في أفريقيا... إلخ، كما صهرت هذه الأمة في بوتقتها شعوباً أخرى مثل شعوب الفرس والترك والروم والبربر والكرد... إلخ، ثم استوعبت هذه الأمة الحضارات والعلوم والثقافات التي كانت موجودة في الأراضي التي توسعت فيها وشكلتّ منها حضارة واحدة ذات شخصية مستقلة، وهي إحدى حضارات التاريخ البشري البارزة.
واستمرت هذا الأمة موجودة فاعلة على مدار القرون السابقة.
وقد تعرضت في مسيرتها إلى عدة أخطار خارجية وداخلية، وأبرز الأخطار الخارجية الني تعرضت لها الأمة؛ الحروب الصليبية وحرب المغول، فقد استمرت الحروب الصليبية قرنين من الزمان، وساهمت فيها كل دول أوروبا وشعوبها من خلال سبع حملات، واحتل المقاتلون أراضي واسعة في قلب العالم الإسلامي، لكن الأمة الإسلامية استطاعت في النهاية التغلب عليهم وإخراجهم من الأراضي الإسلامية، كما استطاعت إيقاف الغزو المغولي بعد أن انتصرت عليه في معركة عين جالوت، وكان المد المغولي قبلها قد اكتسح جميع بلدان آسيا ودمر بغداد عاصمة الخلافة العباسية عام 656 هـ.
وبالإضافة إلى تلك الأخطار العسكرية الخارجية التي هددت الأمة، برزت أخطار داخلية هددت عناصر بناء الأمة وعوامل وحدتها الداخلية.
ومن ذلك؛ تشكيك فرقة الزنادقة في القرآن الكريم، وإظهار تناقض آياته، مما اقتضى عالماً مثل أحمد بن حنبل إلى تأليف كتاب في الرد عليهم، حمل عنوان"رسالة في الرد على الزنادقة والجهمية"، واقتضى تشكيل ديوان الزنادقة في خلافة المهدي العباسي من أجل المتابعة القضائية لهم مما يشير إلى استفحال خطرهم.
ومن الأخطار الداخلية الأخرى التي هددت وحدة الأمة؛"الشعوبية"، والتي قامت على استصغار الجنس العربي والاستخفاف به، والتهوين من شأن اللغة العربية والبيان العربي، مما دفع كاتباً مثل الجاحظ إلى تأليف أكثر من كتاب في الرد على هذه الشبه وتفنيدها، ومنها كتاب"البيان والتبيين"الذي أوضح فيه أصول البيان العربي بالمقارنة مع بيان الأمم الأخرى، واعتدال الأسس التي يقوم عليها هذا البيان العربي وجمالها.
ومن الأخطار الداخلية أيضاً؛ التشكيك في السنة، والذي قامت به فرق مختلفة - ومنها المعتزلة - مما جعل الشافعي يخصص جزءاً من كتابه"الرسالة"لتفنيد رأي الذين يقولون بكفاية القرآن الكريم والاستغناء عن السنة، والرد عليهم بقولة:"إن القرآن الكريم الذي أوجب طاعة الله وجّه إلى طاعة الرسول وأسس - بالتالي - إلى وجود السنة وقيام شرعيتها".
ومن الأخطار الداخلية أيضاً؛ الفرقة السياسية التي تجلت بقيام عدة كيانات سياسية حتى في عهود القوة الإسلامية أثناء الخلاقة العباسية، من مثل؛ دولة البويهيين، والسلجوقيين، والحمدانيين، والإخشيديين، والطولونيين، والمرابطين، والموحدين، والطاهريين... إلخ.
لكن الأمة استطاعت التغلّب على كل تلك المصاعب والأخطار والهزات والتشكيكات؛ بالوحدة الثقافية التي عزّزت بناءها الداخلي ونسيجها الاجتماعي، والتي قامت على دعامتين:
الأولى: القرآن والسنة والعلوم التي ارتبطت بهما ونتجت عنهما.
الثانية: العلماء والفقهاء الذين أفرزتهم الحياة الإسلامية وأعطتهم دوراً قيادياً في المجتمع الإسلامي.
أما الدعامة الأولى للوحدة الثقافية؛ فجاءت من معاني القرآن والسنة وحقائقهما وقيمهما ومبادئهما التي تدعو إلى التوحيد والتطهّر وتزكية النفس ومكارم الأخلاق وإعمار الدنيا والخوف من مقام الله ونبذ الشرك وإقامة شرع الله واتباع الأنبياء... إلخ، وقد تطلبت سور القرآن الكريم والأحاديث الشريفة علوماً لحفظهما ولفهمها وللبناء عليهما، فمن العلوم التي ارتبطت بالقرآن الكريم أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وصور الإعجاز، ومدارس التفسير... إلخ، ومن العلوم التي ارتبطت بالحديث الشريف علوم الجرح والتعديل، والرواية والدراية، ومصطلح الحديث، وطرق تصنيف كتب الحديث... إلخ.
كما تطلبت سور القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الاهتمام باللغة العربية وحفظ اللسان العربي من اللحن والبيان العربي من الانحطاط، فكانت علوم النحو والصرف، وعلوم البيان والبديع، وعلوم العروض والقوافي، ومعاجم اللغة التي جمعت مفردات اللغة العربية... إلخ.