أحمد عبد الرحمن
متاعب ومضايقات كثيرة يواجهها مسلموا بالصين وذلك من أجل الاحتفاظ بعقيدتهم.. ورغم أن مسلمي الصين يمثلون رابع قوة إسلامية في العالم من حيث التعداد إلا أنهم يعانون الاضطهاد ـ ليس بسبب وطأة النظام الشيوعي الغاشم فحسب ـ ولكن بسبب الحملات التنصيرية الخبيثة والتي تستخدم كافة الوسائل لصرف المسلمين عن دينهم وعقيدتهم، وكانت أشد حملات التنصير تلك التي واجهوها في مطلع القرن الجاري؛ وذلك لأن الصين لما تشكله من كثافة سكانية كانت محط أنظار المنصرين الغربيين وخصوصاً بعد أن رضخت للسيطرة الأوروبية؛ إذ كان المنصرون يلقون كل الدعم في نشاطاتهم ضمن مخطط استهدف التغريب الثقافي الروحي المترافق مع التغريب السياسي الاقتصادي، غير أن المساعي التنصيرية تلك وإن كانت وجدت لها أرض خصبة بين الكونغوشيوسيين والبوذيين الصينيين، إلا أنها اصطدمت بوجود إسلامي قوي يغطي مساحات واسعة من أراضي الصين وتبين أن للمسلمين ثقافة دينية راسخة لم تستطع البعثات التنصيرية التأثير فيها بالسهولة التي كانوا يتوقعونها، لذلك كان من الضروري من وجهة نظرهم دراسة واقع المسلمين بدقة من أجل وضع المخططات اللازمة لإنجاح حملات التنصير.
وفي مطلع القرن الجاري انعقد في (أدنبرة) (اسكوتلندا) المؤتمر التبشيري العالمي، ونص أحد القرارات التي اتخذت في المؤتمر على تشكيل لجنة مهمتها دراسة سبل إقامة بعثة تنصيرية دائمة في الصين في صفوف المسلمين، وتشكلت اللجنة من ثلاثة أشخاص: (جونموت) رئيسا، و (هارولان بيتش) و (صموئيل زويمر) عضوان. وعهدت اللجنة إلى (مارشال برومهول) بإعداد تقرير شامل عن أوضاع المسلمين في الصين يكون أساساً تبنى عليه خطة التنصير المسيحي لاحقا، وفي ضوء دراسة (برومهول) عادت حملات التبشير المدعومة استعماريا لتركز نشاطاتها مجددا في أقاليم (سيكيانغ) و (قانصو) و (شانسي) ذات الكثافة السكانية المسلمة، التي كانت تعرف تاريخياً باسم (شرق تركستان) ونتج عن الحملات هجرة الآلاف من المسلمين إلى بلدان شرق آسيا والشرق الأوسط، وأحفاد هؤلاء كانوا يعرفون في الغالب بـ (البخاريين) نسبة إلى بخارى التي كانت عاصمة إقليم في أواسط آسيا أطلق عليه الاسم ذاته وهو اليوم الدولة المعروفة باسم (أوزبكستان) .
وكانت مدينتا بخارى وسمرقند في آسيا الوسطى تجمعين مزدهرين للحضارة الإسلامية خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
وكانت تركستان القديمة تضم أراضي من الصين وجمهوريات آسيا الوسطى وصولا إلى أفغانستان ويقع هذا الإقليم المترامي الأطراف الذي كان يقطنه الناطقون بالتركية على الطريق الذهبي الذي اتبعه الرحالة الإيطالي (ماركو وثقافته، وكان المسلمون التركستانيون يعرفون عام 1760 بـ(الإيغوريين) الذين فقدوا دولتهم أمام جحافل القوات الصينية التي أطلقت على هذا الإقليم بعد استيلائها عليه اسم (سيكيانغ) (أو الحدود الجديدة) وهرب الكثير من القبائل التركستانية هناك إلى أماكن أخرى من آسيا الوسطى، التي أصبحت في ما بعد جزءا من القيصرية الروسية.
وهب الإيغوريون في وجه الاحتلال الصيني مئات المرات وحققوا في بعضها استقلالا مؤقتا، وخلال الأربعينات من القرن الجاري أعيدت السيطرة الاستعمارية على الدوام بعلاقات أوثق وأمتن مع الاتحاد السوفياتي السابق منذ مطلع الثلاثينات، وفي عام 1944 اندلع تمرد جديد في مناطق الأقاليم الشمالية المحاذية للاتحاد السوفيتي بحدود طولها 3 آلاف كيلو مترا وفي يوم (12 نوفمبر) من ذلك العام أعلن قيام جمهورية تركستان في مدينة (كولجي) إلا أن الأمر لم يصل إلى الاستقلال واقتصر على الحكم الذاتي، وقدم (جوزيف ستالين) الزعيم السوفياتي آنذاك المساعدات للحكومة المؤقتة التي كان يعتبرها عنصر توازن في وجه قوة الصين المتعاظمة، وفي الوقت ذاته أرسل (ستالين) خبراء في علم الأعراق البشرية ليقسموا الأجزاء الجنوبية المضطربة عن الاتحاد السوفياتي إلى عدد من الجمهوريات الصغرى مما سمح لموسكو بممارسة سلطة أوسع في تلك البلاد.
وقبل العهد الشيوعي كان المسلمون في الصين يواجهون الاضطهاد الديني لكن بشكل عشوائي وغير منظم وبالتالي لم يهدد ثقافتهم بالذوبان، أما في مرحلة الشيوعية فراحوا يواجهون آلة ضخمة من التشويه والطمس الإيديولجي المنظم المدعوم بالسلطة والمال على مستوى الترقيات الوظيفية أو العلاوات في الرواتب والأجور وكذلك أحقية التوظيف.
مسلمو الصين هدف الهيئات التنصيرية في آسيا: