الرباط / إدريس الكنبوري 2/5/1426
في ليلة الخامس من يونيو الجاري وقعت على الحدود الموريتانية لجزائرية في موقع لمغيطي عملية مداهمة ضد ثكنة عسكرية خلفت مقتل نحو عشرين جنديا موريتانيا، وقد سارعت الحكومة في نواكشوط إلى توجيه الاتهام في ذلك الحادث إلى"الجماعة السلفية للدعوة والقتال بالجزائر"التي تنشط على الحدود الموريتانية الجزائرية والموريتانية المالية في الصحراء الواسعة، حسبما تقول تقارير جزائرية وأمريكية، وسرعان ما جاء بيان للجماعة في اليوم التالي ليؤكد ذلك الاتهام، حيث تبنت الجماعة العملية ووصفتها بأنها"انتقام"لعدد من أفرادها المعتقلين حاليا في السجون الموريتانية، وصرح وزير الدفاع الموريتاني بأن سبعة من الإسلاميين الموريتانيين المعتقلين حاليا تلقوا تدريبا في معسكرات الجماعة السلفية للدعوة والقتال بالجزائر مؤخرا
هذا الحادث جاء في سياق وضع سياسي داخلي في موريتانيا يتميز بالتوتر والاحتقان، وتطبعه ثلاثة معطيات بارزة:
ـ الأول: الحملة التي تشنها السلطات الموريتانية في الداخل على الإسلاميين منذ الخامس والعشرين من أبريل الماضي وأدت إلى اعتقال حوالي خمسين منهم بدعوى صلة بعضهم بتنظيم القاعدة و الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وقد تزامنت هذه الأحداث مع دخول هؤلاء المعتقلين الإسلاميين في إضراب عن الطعام للمطالبة بحقهم في مقابلة محاميهم.
ـ الثاني: احتضان موريتانيا لعدد من الجنود الأمريكيين في إطار التعاون العسكري الذي أصبح قويا في الفترات الأخيرة بين البلدين، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة في إقليم الساحل الصحراوي .
ـ ثالثا: التقدم الحاصل في وتيرة التطبيع بين نواكشوط وتل أبيب، إذ المعروف أن موريتانيا هي الدولة العربية الوحيدة التي أبقت على سفارتها في عاصمة إسرائيل بعد انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، وشهدت الزيارة الخاطفة التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم في الشهر الماضي على أن هذه العلاقات أصبحت معطى"استراتيجيا"في السياسة الموريتانية.
وبعد ذلك الحادث، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية ـ التي هي موجودة في المنطقة أصلا ـ عن أنها ستقوم بالتحقيق فيه، الأمر الذي يثير حساسية سياسية كبرى في بلد محافظ لا تزال القبيلة فيه تلعب الدور السياسي الأول.
والسؤال الذي يطرحه المراقبون هو حول ما إن كانت هذه الأحداث الأخيرة سوف تفتح الباب واسعا للأمريكيين لتكثيف حضورهم العسكري في موريتانيا ومنطقة الساحل الإفريقي وبشكل أعم في منطقة شمال إفريقيا. فقد باتت هذه المنطقة منذ سنتين تقريبا في مركز الاهتمام الأمريكي، إلى حد أن البعض صار ينعتها بـ"قوقاز"جديدة تستقطب شهية الأمريكيين، بالنظر إلى الثروات النفطية الواعدة فيها وأهميتها الجيو ـ سياسية، هذا علاوة على أن واشنطن تعتقد أن تنظيم القاعدة لربما نقل مجال نشاطه العسكري من آسيا بعد معركة"تورا بورا"في أفغانستان عام 2001 إلى شمال إفريقيا، وتحديدا في منطقة الساحل الإفريقي التي هي عبارة عن مساحة صحراوية شاسعة غير خاضعة لأية حكومة أو جيش، وتشكل فضاء مفتوحا لقيادة الحملات العسكرية.
وقد أطلقت واشنطن في بداية شهر يونيو الجاري مخططا عسكريا جديدا يرمي إلى تعزيز التعاون العسكري والاستخباري مع بلدان الساحل وشمال إفريقيا يحمل عنوان"فلينتلوك 2005"أو"الزند الصواني"، وبدأ نحو 300 جندي أمريكي في مناورات عسكرية مشتركة مع وزارة الدفاع الموريتانية على الحدود الشمالية لموريتانيا قرب الصحراء. ويشمل هذا المخطط العسكري الثاني من نوعه بعد مخطط"بان ساحل"في العام الماضي سبع دول إفريقية هي موريتانيا والجزائر ومالي والنيجر والسينغال ونيجيريا والتشاد، على أن يتم توسيعه لاحقا إلى بلدان المغرب وتونس وليبيا، وسوف يستمر هذا المخطط العسكري الواسع مدة خمس سنوات بميزانية ضخمة تقدر بنحو 100 مليون دولار سنويا. وكان مخطط"بان ساحل"في العام الماضي قد أثمر عن اعتقال الأمريكيين لزعيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال عبد الرزاق البارا زعيم الجماعة منذ العام 1999، الذي تجري محاكمته حاليا في الجزائر.
مع حادث"المغايطي"على الحدود الموريتانية ـ الجزائرية أصبح للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ما يبرره في نظر المسؤولين الأمريكيين، إذ إن هذه الأحداث سوف تعطيهم مبررا قويا على أن ما كانت تحذر منه بلدان المنطقة هو حقيقة قائمة، ومن هنا سوف تزداد مخاطر الوجود الأمريكي على أمن ومستقبل المنطقة وعلى ثرواتها، فواشنطن عازمة على تحقيق أهدافها التي تتحدد في ثلاثة أبعاد:
ـ بعد أمني: بضمان استقرار المنطقة أمنيا لفائدة بلدان حلف الناتو الذي دخل التعاون بينه وبين عدد من بلدان المنطقة كموريتانيا والمغرب والجزائر منعطفا كبيرا باشتراكه في مناورات عسكرية قبل ثلاثة أشهر كانت إسرائيل طرفا فيها، وبالتالي ربط أمن هذه البلدان ومصيرها بتعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية.