نزار محمد عثمان
علقت الكاتبة الأمريكية الشهيرة غريس هالسل على الوعد (المزعوم) الذي ورد في العهد القديم الإصحاح 15/18 والذي يقول: (لقد منحت ذرياتكم هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات) قائلة: (هناك تساؤل حول معنى نهر مصر، ذلك أنه يوجد جدول الآن يعرف باسم وادي العريش، وكان يعرف في السابق بنهر مصر، غير أن زميلي الأمريكي يقول:(إنني أعتقد أن نهر مصر ليس هو سوي النيل ) ) [1] ، فإذا كان المراد بالنيل هو وادي النيل فهل يدخل السودان -الذي يشكل وادي النيل محور التجمع السكاني فيه- في هذا الوعد؟
يبدو أن اليهود يريدون وادي النيل بأكمله، لذلك يعملون على تضخيم تاريخهم في السودان، و الذي - خلافًا لكثير من الدول العربية- لم يشتهر بوجود مجموعات يهودية فيه، وفي سبيل تضخيم هذا التأريخ الخامل فقد جُنِّدت وسائل إعلامية عديدة ، واتُبعت أساليب مختلفة لترويج هذه الفكرة، من هذه الأساليب أربعة أحداث مهمة هي:
أولًا:كتاب بني إسرائيل في أرض المهدي:
طبعت دار جامعة سيراكوس للنشر كتابًا اسمه"بنو اسرائيل في أرض المهدي: يهود السودان"Jacob's Child r en in the Land of the Mehdi: Jews of the Sudan لمؤلفه إيلي س. مالكة Eli S. Malka الذي ولد في السودان، وكان أبوه كبير حاخامات اليهود في الجيش الإنجليزي الذي حارب الإمام المهدي؛ فقد ذكر مالكة أنه كان رئيس الجاليه اليهودية بالسودان، ونائب رئيس محفل بناي برث بالخرطوم، ومدير شركة جيلاتلي التجارية التابعة لمجموعة جيلاتلي هانكي العالمية التي تعمل في مجال الشحن التجاري بمنطقة البحر الأحمر.
تحدث مالكة كذلك عن نشأة الجالية اليهودية في السودان، والصعوبات التي واجهتها في أيام حكم المهدي، وزعم أنهم أجبروا على اعتناق الإسلام تحت تهديد السيوف!، كما تحدث في كتابه عن العقد الخصيب من عمر الجالية، والذي امتد من الثلاثينيات إلى الأربعينيات من القرن المنصرم، ووصف الاتصالات التي تمت بين يهود السودان ويهود مصر وأثيوبيا وأريتريا، كما وصف الزيارات التي قام بها كبار المسئولين اليهود للسودان، كما تحدث عن الفترة الحرجة التي مرت بالجالية عقب حرب 1967م، كذلك حوى كتاب مالكة إحصاء مفصلًا ليهود السودان والأماكن التي استقروا بها بعد هجرهم للسودان [2] .
ثانيًا مقال ليفي اليهودي السوداني:
نشرت الوكالة اليهودية الإسرائيلية مقالًا لكاتب سوداني جنوبي من قبيلة الماندي اسمه ويليام ليفي أوشان أجوغو ، ويشغل منصب"رئيس عملية (نهيميا) في جنوب السودان"يزعم فيه أن قبيلته من أصول يهودية يقول: (عند الحديث عن اليهود في أفريقيا السوداء يتبادر إلي أذهان كثير من الناس أن المقصود هم الفلاشا أو اليهود الإثيوبيون الذين حافظوا علي يهوديتهم منذ آلاف السنين علي الرغم من عزلتهم وبعدهم الجغرافي عن بقية اليهود في أنحاء العالم"، ويدّعي هذا الكاتب أن قبيلته وقبائل أخري في جنوب السودان -لم يذكر أسماءها- ترجع أصولها إلى اليهودية التي وصلت إلي إفريقيا قبل الإسلام والمسيحية، حيث عاش الشعب اليهودي في أفريقيا مئات السنين وذلك قبل خروجهم من مصر، ولذلك تركوا أثرهم في شمال القارة وشرقها [3] ."
ثالثًا: عادات قبيلة الماندي والإعتساف اليهودي
لم يكتف اليهود ـ لأجل تضخيم تاريخهم في السودان ـ بذلك، بل اعتسفوا في تنصيب بعض العادات والتقاليد المشتركة دليلًا على الأصول اليهودية لبعض قبائل جنوب السودان، فقد كتب ويليام ليفي مستدلًا على الأصول اليهودية لقبيلته أنها:
• تتوجه نحو معبود واحد.
• تقدم القرابين عند ارتكاب الخطايا، فإذا كانت الخطيئة كبيرة تذبح ضأنا، أما إذا كانت صغيرة فتذبح دجاجة، وهناك مجموعة من زعماء القبيلة أو العلماء الذين يحددون نوع القربان ويشرفون علي الترتيبات المتعلقة بتقديمه.
• لا تأكل لحوم بعض الحيوانات، كما تخصص جزءًا معينًا من الماشية للمعبود.
• تحافظ على عادة غسل الأيدي عند مغادرة المنزل.
• تعتبر بعض الأيام من العام مقدسة، وتتقرب إلي الله فيها.
• تستخدم البوق عند دعوة الناس إلي اجتماع أو إلي مناسبة.
• يتزوج الأخ زوجة أخيه المتوفى.
وكما يدرك القارئ أن هذه العادات لا تصلح للاستدلال على يهودية تلك القبيلة التي ربما لا يعرف أهلها ( والذين هم وثنيون قد استحكمت الأمية فيهم) شيئًا عن اليهودية أصلًا.
رابعًا: الهولوكست السوداني