بقلم الدكتور بسطامي محمد سعيد خير
إذا تأمل المرء في أوضاع العالم الإسلامي وتاريخه المعاصر، يستطيع أن يشهد بوضوح قوة التيارات والجماعات الإسلامية في كثير من بلدانه، واضطراد زيادة تأثيرها في العقود الأخيرة، حتى إن بعضها قد وصل للسلطة وآلت إليه مقاليد الحكم. ولا يقتصر تأثير الحركات الإسلامية السياسية على المستوى المحلى، بل قد تعداه إلى توجية السياسة العالمية، لدرجة أنه من الممكن القول أن الإسلام قد أضحى من أكبر الهموم التى تشغل الدول الغربية الكبرى، وباعثا ومحركا لكثير من سياساتها الداخلية والخارجية. ومن آثار عناية الغرب الحالية بالإسلام، السيل الدافق من الكتابات والبحوث والدراسات، التى تعنى بها مراكز البحوث وتتصدر قوائم المطبوعات وتعج بها وسائل الإعلام.
ومن الكتب التى شاعت وأحدثت ضجيجا عاليا، كتاب عنوانه (مستقبل الإسلام السياسى) للباحث جراهام فولر، درس فيه الجانب السياسي للحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، وحاول استقراء مستقبلها وتقويم عوامل نجاحها وفشلها. وقد تميز الكتاب من بين الكتب الغربية المماثلة، بسعة الإطلاع وجرأة الطرح ومحاولة الإنصاف. وتقدم السطور التالية مراجعة له وخلاصة لأهم فصوله، مع تعليق على بعض آرائه ونقدها واستجلاء ما له وما عليه، واستخراج ما يمكن أن يستفاد منها من موجهات لمخططات الغرب تجاه مستقبل مسيرة الإسلام.
ولمؤلف الكتاب جراهام فولر خبرة واسعة عن كثب بأوضاع العالم الإسلامي، تظهر بوضوح في ثنايا الكتاب، فقد عمل لمدة عشرين سنة في وزارة الخارجية الأمريكية، وشغل منصب نائب رئيس جهاز المخابرات الأمريكية سي آي إيه، وكان مسئولا عن قسم دراسات المستقبل الاستراتيجية للسياسة الأمريكية. ويعمل الآن في مؤسسة راند للبحوث، وله عناية خاصة بشئون العالم الإسلامي. وله عدد من الكتب والبحوث بالمجلات، وهو مساهم نشط في الجرائد والمجلات وقنوات التلفزيون.
الأسئلة الأساسية
يطرح الكتاب أسئلة أساسية ويحاول الإجابة عليها من خلال فصول الكتاب. ما الإسلام السياسي؟ وكيف يعمل لتحقيق الأهداف والغايات التى يسعى إليها؟ وما التحديات التى يواجهها وما المخاطر التي يهدد بها العالم؟ وأخيرا ما مستقبله؟ وبالتحديد هل الإسلام السياسي تطور مرحلي مؤقت يمر به العالم الإسلامي للخروج من الأزمات والمشكلات التى يعيشها؟ أم أنه بداية جادة لمشروع حضاري ينقل به الإسلام نفسه من ظلمات الماضي إلى العصر الحديث؟
يستعمل الكاتب مصطلح الإسلام السياسى مرادفا لمصطلح الإسلاميين، الذين يعرفهم بأنهم كل من يؤمن بأن الإسلام ليس دينا فحسب بل نظاما سياسيا واجتماعيا صالحا لإصلاح العالم الإسلامي المعاصر، ويسعى لتطبيق ذلك في مجتمعه بالطريقة المتاحة. ويشمل تيار الإسلام السياسي جماعات كثيرة يفصل الكتاب القول عنها في الفصل الثالث من فصول الكتاب. ولكن محاولة الكاتب لتصنيف هذه الجماعات لا تأتي بجديد، بل تعيد نفس التصنيف والوصف الغربي لهذه الجماعات، وتستعمل نفس المصطلحات. وحسب رأيه أن الجماعات الإسلامية فئات كثيرة، فهناك التقليدون والأصوليون والإصلاحيون والعصرانيون والمتطرفون. ويعترف ابتداء أن هذه مصطلحات عامة وغير محددة، والسبب في ذلك في نظره أن الجماعات الإسلامية متعددة ومتشابكة ومن الصعب التمييز الدقيق بينها. ولكنه يخلص إلى أنه من الممكن القول عموما أنها تمثل قوس قزح، تتوزع ألوانه بين المحافظة والتقليد للماضي في طرف، وبين الإنعتاق والتحرر والحداثة في الطرف الأخر.
سر صعود الإسلاميين
لقد خرج الإسلاميون من رحم العالم الإسلامي، في ظروف صعبة وأزمات كبيرة تعصف به. فقد هوى من حضارة عالمية راقية كانت بيدها سيادة وقيادة الدنيا علميا وثقافيا وتقنيا لأكثر من ألف سنة، والتهمه وسلب خيراته الإستعمار الغربي، وقسمته وتنازعته الاختلافات المذهبية والعرقية والقومية، وسقط في حضيض الفقر والجهل والمرض. ومع كل هذه السيئات فقد حدثت تغيرات هائلة في العالم الإسلامي خلال القرن الأخير، يعرضها الكاتب ويسوقها في إشارات سريعة، منها سقوط الخلافة العثمانية، ونشأة الدول الإسلامية القومية العلمانية واستقلالها عن الاستعمار، وظهور الحركات الإسلامية وبلورتها لفكر سياسى واجتماعي على يد عدد من المفكرين المعاصرين، وقيام دولة اسرائيل، واكتشاف ثروة النفظ الهائلة وما ساقته من ثراء، ونجاح الثورة الإيرانية. وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة من الأحداث المتتالية، خرج الإسلاميون الذين استطاعوا أن يصبحوا في عقود قليلة أكثر التيارات تأثيرا ونموا في العالم الإسلامي، وقوة جعلت الدول الغربية تحسب لها ألف حساب. فما السر الذي أتاح للإسلاميين هذا الصعود السريع للقمة؟ وهل هم قوة حقيقة أم فقاعة صابون وسحابة صيف سرعان ما تزول؟