فهرس الكتاب

الصفحة 24491 من 27364

مجلة البيان - (ج 126 / ص 92)

د. محمد يحيى

على الرغم من تعرض العديد من الكتاب لمقولة الأستاذ الجامعي: (صمويل هنتنجتون) التي عرفت باسم صراع أو صِدام الحضارات (نسبة إلى مقالته عام 1992م ثم كتابه الموسع حول الموضوع وتحت الاسم نفسه عام 1996م) إلا أن هذه المقولة - وإن بدت سطحية الطابع - تحتوي على أعماق وأبعاد وجوانب كثيرة تتجلى كلما تعرض لها المرء بالبحث أو التأمل، وقد حاولت في مقال بل مقالات سابقة أن أجلي بعض هذه الجوانب وتركت أخرى لعلِّي أعالجها فيما بعد.

ومن الجوانب التي ما زالت بحاجة إلى المزيد من الإيضاح في هذه المقولة هو دورها ووضعها داخل سياق الفكر الغربي والأوضاع المعاصرة هناك، وهو ما ألقيت عليه بعض الضوء في المقال السابق، وأرجو أن أسلط المزيد الآن.

تبدو مقولة صِدام الحضارات للنظر - من زاوية - وكأنها محاولة واسعة النطاق لجمع شتات الصف الغربي ورسم هويته بحدة ووضوح شديد؛ ذلك لأن الصف الغربي الذي كان موحداً في القرون الوسطى بل وقبلها تحت راية الإمبراطورية الرومانية ثم المسيحية (ولا أقصد بالوحدة هنا السياسية أو السياسية وحدها) هذا الصف قد تناثر شظايا وشُعباً حتى العصر الحديث عصر الاستقطابات السياسية والانقسامات الأيديولوجية والتناثر الاجتماعي. وصحيح أن محاولات الوحدة على كل المستويات كثرت وتعددت حتى جاء عهد التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات مع سقوط المعسكر الشيوعي والتي بدت كلها عوامل تشجع على الوحدة؛ إلا أن الوحدة بالمفهوم الحضاري الوجودي الأوسع كوحدة عقيدة وهوية ومصلحة مشتركة كبرى ظلت مع ذلك مفتقدة. ومن هنا تأتي أهمية المقولة.

إن دعوة (هنتنجتون) تحاول أن ترسم صورة قد لا تكون مكتملة في الوقت الراهن لحضارة اسمها: (الحضارة الغربية) ، وهي وإن سكتت عن مكونات وأسس هذه الحضارة، وانشغلت برسم ملامح صورة العدو (الآخر الحضاري) التفصيلية إلا أنها مع ذلك تفصح عند استنطاقها عن هذه المكونات والأسس وتقدم لنا العجب؛ فالحضارة الغربية المتطورة تجمع أقطاباً وأطرافاً كانت حتى الماضي القريب جداً من الأضداد المتصارعة. فهذه روسيا (الاتحاد السوفييتي السابق) ومعها بلدان أوروبا الشرقية (المعسكر الاشتراكي أو الكتلة الشرقية سابقاً) تصبح من مكونات ولبنات الحضارة الغربية حتى وإن كانت حتى القريب العدو الأول للغرب الذي يعني الكتلة الرأسمالية الليبرالية المنضوية تحت لواء حلف الأطلسي. وهنا نجد أن مفهوم الغرب قد اتسع ليشمل (الشرق) لكنه شرق مسيحي أبيض (وإن كان أرثوذكسي المذهب) .

ومفهوم الحضارة الغربية المطروح في مقولة (هنتنجتون) يجمع بين أوروبا وأمريكا ويبقي ما كان من توتر وما هو كائن من تضارب في المصالح الاقتصادية. بل إنه داخل الكتلة الغربية الأوروبية ذاتها يجمع ما بين الكتل المصلحية الثقافية المتضاربة من بريطانية وفرنسية وألمانية وشمال أوروبية وجنوب أوروبية. ولا يكتفي مفهوم الغرب الجديد في التوسع شرقاً حتى حدود الصين واليابان ووسط آسيا (حيث امتداد روسيا) بل إنه يضرب إلى الجنوب الأمريكي حتى القارة الجنوبية المتجمدة حيث يتضمن الأمريكتين: الوسطى، والجنوبية. وهناك أيضاً تسود المسيحية الكاثوليكية التي مقرها في روما، ويسود العنصر الأبيض حتى وإن وجدت الأعراق والعناصر الأخرى بكثافة عددية أكبر: من زنوج ومخلطين في البرازيل، أو هنود في البلدان الأخرى. لكن ارتباط هذه القارة بالتاريخ الأوروبي، والمنحى العام للحضارة الغربية قد ترسخ منذ (اكتشافها) (حسب الزعم الغربي) في القرن الخامس عشر الميلادي، ويعاد اكتشاف هذا الإقليم الآن بثرواته وإمكاناته الهائلة ليُدرج في صف الحضارة الغربية بعد أن كانت بعض تصنيفات الفكر اليساري الغربي تضعه في خانة (العالم الثالث) ثم (الجنوب) في مواجهة (العالم الأول) أو (الشمال) وهو (الغرب) . وبالطبع فإن أستراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق، وإلى الشرق حتى من الخصم الجديد للحضارة الغربية (الإسلام والصين الناهضة أو الكتلة البوذية... إلخ) تقع هي الأخرى ضمن صف الحضارة الغربية الذي تنشئه مقولة صِدام الحضارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت