فهرس الكتاب

الصفحة 24492 من 27364

إذن: نجد أن طرح التصور للحضارة الغربية عند (هنتنجتون) يتضمن ما يمكن تسميته بإعادة تأسيس وإنشاء صف الحضارة الغربية بشكل يختلف جذرياً عما اعتاد عليه الفكر السياسي والثقافي والفكري حتى عهود بالغة القرب. فالغرب كما قلنا كان يقتصر على مجموعة بلدان غرب أوروبا (جغرافياً) بالإضافة طبعاً إلى كتلة القارة الأمريكية الشمالية، لكن المفهوم الجديد يوسع المدى الجغرافي للغرب كثيراً إلى حد ينعدم معه معنى (الغرب) ذاته مع الامتداد العميق إلى أقصى الشرق من ناحية وأقصى الجنوب من الناحية الأخرى، ثم محاولة التوغل في الوسط من خلال الطرح المكمل لمفهوم الغرب وهو طرح الحضارة المتوسطية التي يفترض أن تضم بلدان حوض شرق البحر المتوسط ومعظمها إسلامية. وهذا الطرح جاء من بلدان أوروبا الغربية والجنوبية وهو إن حاول التظاهر بخلق أو إحياء كيان حضاري متميز (البحر متوسطي) إلا أنه في الحقيقة لا يكاد يخفي أنه أداة لاستيعاب وضم الدول الإسلامية الكبرى المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط وإلحاقها بالحضارة الغربية (المسيحية - الوثنية) وإدراجها كعناصر داخل هذه الحضارة بعد تجريدها من خصوصياتها الحضارية وتمييع هويتها العقدية. وهكذا يتسع مفهوم الحضارة الغربية الجديد ليشمل نطاقاً جغرافياً هائلاً بل - وهو الأهم - ليشمل ويبتلع نطاقات ثقافية كانت بشكل ما خارجة عن نطاق الثقافة الغربية كروسيا وأمريكا الجنوبية.

وينقلب هذا التوسع الجغرافي عدوانياً عندما يتحرك ليهاجم قلب العالم الإسلامي من خلال طرح مفهوم الحضارة المتوسطية وهو في جوهره مجرد مفهوم وسيط يمهد لإلحاق الحضارة الإسلامية أو بلدانها المركزية بالحضارة الغربية ومجال النفوذ الغربي بعد فصلها أولاً عن الوسط الإسلامي وضمها إلى ذلك الكائن المصطنع (البحر متوسطي) الذي لن يلبث أن يكشف عن وجهه الحقيقي فإذا هو غربي بحت بعد أن يكون فات أوان العودة إلى الهوية الإسلامية بالنسبة للبلاد الإسلامية التي تكون انضوت تحت لوائه.

ويتجلى هذا التوسع الجغرافي الشرس والشاسع لمفهوم الغرب في التصور الجديد من بعض التصورات التي ينقصها الوضوح في مقولة (هنتنجتون) أو التي يسكت عنها؛ فما هو وضع الهند أو إفريقيا في خارطة الصراع الحضاري الذي يتنبأ به الكاتب الأمريكي للقرن الحادي والعشرين الميلادي؟

لقد تعرضت في مقالتي السابقة لوضع الهند وخلصت إلى أن (هنتنجتون) لا يصنفها في خانة أعداء الغرب رغم أنها كالصين (وأكثر من العالم الإسلامي) تمتلك القوة النووية حسب أرجح التصورات، وفوقها إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة حالية ومتوقعة، كما خلصتُ إلى أن عدم وضع الهند في خانة العدو الحضاري المحتمل يعني أنها واقعة في خانة الأصدقاء أو الحلفاء المحتملين للحضارة الغربية حتى وإن لم توضع صراحة في الصف الغربي. ولا يُنسى أن الجذور الأولى للحضارة واللغات الأوروبية تستمد نفسها من الماضي الآري السنسكريتي في الهند؛ فضلاً عن أن المنطق الاستراتيجي السليم يحتم وضع الهند في الصف الغربي في مواجهة الحضارتين الإسلامية غرباً وجنوباً، والصينية شرقاً. تتبقى إذن قارة إفريقيا؛ ووضعها - من هذه الناحية - غامض؛ فهي غير مذكورة في الصف الغربي إضافة إلى أن ضعفها الحالي والمتواتر يجعل من غير المحتمل وضعها كالهند في خانة الحلفاء المستقبليين. لكن الواقع يقول إن عملية (هندسة سياسية) ضخمة تجري الآن لإلحاق سائر إفريقيا في إقليم ما يعرف بـ (جنوب الصحراء) إلى الصف الغربي. وإلا فلماذا عودة جنوب إفريقيا كالابن الضال إلى صف السياسات الدولية من منظور غربي؟ ولماذا عملية التغييرات حتى في قلب ووسط إفريقيا ثم في الاتجاهات الأربعة من ذلك القلب لرسم خريطة سياسية جديدة من إمبراطوريات لا تتميز بشيء قدر تميزها بالعداء للإسلام، والولاء السياسي والاقتصادي لأمريكا، والانتماء الديني إلى المذاهب المسيحية الغربية وبعدها الثقافة المتأوربة؟ إن المسرح السياسي العام يعد الآن في وسط وأطراف إفريقيا لتأكيد الضم والإلحاق بالغرب على أصعدة تمتد من الاقتصادي إلى الثقافي والديني في مواجهة الشمال والشرق الإفريقي المسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت