د . أسامة الغزإلى حرب
ليس بمقدور أحد الآن أن يشكك في جدية الولايات المتحدة وحلفائها في الحديث عن ' الإصلاح ' في العالمين العربي والإسلامي . تلك هي إحدي التحولات الكبرى التي تحدث في السياسة العالمية ، منذ 11 سبتمبر 2001. ففي سياق الاستراتيجية المعلنة ' للحرب على الإرهاب ' خاضت الولايات المتحدة الحرب في أفغانستان على تنظيم القاعدة في عام 2002، ثم قامت - في سياق تلك الاستراتيجية نفسها - بغزو العراق في 2003، والآن - في 2004 - تعلن الولايات المتحدة عن مشروع ' الشرق الأوسط الكبير ' الذي تستعد لمصادقة مجموعة الدول الثماني عليه في يونيو القادم . الحرب في أفغانستان والعراق كانت حربا على الخطر ' المباشر ' للإرهاب ، أي على فلول المنظمات الإسلامية المتطرفة التي عزت إلىها واشنطن القيام بأعمال 9/11، وعلى أي احتمال بأن تصل إلى أيديها أسلحة الدمار الشامل ( وهي الأسلحة التي لم تظهر أبدا في العراق !) . أما مشروع الشرق الأوسط الكبير ، فيستهدف منع ظهور الإرهاب ، أو - مثلما جري القول الشائع - ' تجفيف منابع الإرهاب '! أي: إيجاد مجتمعات ديمقراطية ، مزدهرة اقتصاديا ، ومتفتحة ومتسامحة ثقافيا ، حتى لا تكون بيئة منتجة للإرهاب !
حسنا ، إن ما هو جديد في الواقع في هذا كله هو أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تضع على رأس أولوياتها المعلنة في منطقة الشرق الأوسط ، بناء الديمقراطية ، بعد سبتمبر 2001، أما قبل ذلك ، وربما طوال النصف الثاني من القرن العشرين كله على الأقل ، لم تكن تلك هي الأولويات الأمريكية في المنطقة ، حتى ولو كانت هي أولويتها في مناطق أخري من العالم . كانت الأولويات الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم العربي تتمثل في: ضمان الحصول على البترول ، وحماية أمن إسرائيل ، ثم الحيلولة دون سقوط المنطقة تحت السيطرة الشيوعية . ولم يكن أي من هذه الأهداف يستلزم ' نظما ديمقراطية ' بقدر ما كان يستلزم نظما قوية ، وصديقة للولايات المتحدة ، حتى ولو كانت نظما تقليدية محافظة ، أو عسكرية ديكتاتورية ! ومن الصحيح أن تلك العناصر كلها بدأت تتغير: فلم يعد تأمين تدفق البترول مشكلة ، وإسرائيل أصبحت أقوى دولة في المنطقة ، ذات ترسانة نووية هائلة ، وعلاقات سلمية مع أهم دولها ! أما الخطر الشيوعي فقد زال تماما مع سقوط الإتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية ! ولكن تلك التغيرات لم تدفع الولايات المتحدة للسعي إلى بناء الديمقراطية في المنطقة إلا بعد أن تلقت ضربة 9/11.
أما الأمر من وجهة نظرنا نحن أبناء المنطقة فكان مختلفا . فالسعي لتحديث وتطوير النظم السياسية كان على رأس أولويات النخبة في مصر والعالم العربي منذ أكثر من قرن ونصف ! وعرفت مصر الأحزاب السياسية منذ ما يقرب من مائة عام ، وتلازمت الدعوة من أجل الاستقلال الكامل - منذ العقد الثاني من القرن العشرين - مع الدعوة من أجل الدستور . وعندما تعثرت التجربة الديمقراطية شبه الليبرإلىة في بلادنا ، بعد الحرب الثانية ، لم تكن الولايات المتحدة عنصر دعم لها وإنما كانت عنصر تعويق ، بسبب مصالحها وأولوياتها .
غير أن الدرس الأهم الذي كنا نستخلصه عقب كل هزيمة أو انتكاسة - بعد 1948 وبعد 1967 - هو أن غياب الديمقراطية كان هو سبب الضعف الأساسي لنظمنا ومجتمعاتنا . ولم تكن مصادفة أن الدعوة للمجتمع المفتوح ، ودولة المؤسسات وحكم القانون ظهرت في مصر بقوة عام 1968، وكانت تلك هي الأساس الذي بني عليه السادات حركته - بعد 1973 - لتحويل مصر إلى التعدد الحزبي ، ثم سعي مبارك للسير على نفس الطريق خاصة من خلال حريات الصحافة والتعبير !
الآن ، وبعد 9/11 تعلن الولايات المتحدة مشروعاتها للتغيير الديمقراطي التي تعددت صورها طوال عامي 2002 و 2003 لتصل إلى طبعتها الأخيرة في مبادرة ( الشرق الأوسط الكبير ) ! ولا يمكن لأي إنسان عاقل مسئول في بلادنا أن يرفض الإصلاح الديمقراطي ، أو إصلاح نظم التعلىم أو غيرها من الإصلاحات الضرورية ..، ولكن الأمر البديهي في هذا كله ، هو أن من المستحيل أن يتم أي إصلاح حقيقي بالفرض أو الإملاء من الخارج ! قد يكون هناك حث وتشجيع على ذلك الإصلاح ، وقد تكون هناك مساعدة في تنفيذه ..، ولكن المبادرة بالإصلاح ، والقيام بالدور الرئيسي فيه ، هو أولا وأخيرا مهمة القوي ' الداخلية ' الأدري بشئون بلادها ، والأكثر وعيا بظروفها وأولوياتها .
غير أننا عندما نتحدث عن الإصلاح من الداخل ، فإننا نقصد تحديدا ثلاثة مستويات: