تأليف: د/ فؤاد مرسي
الكويت، سلسلة عالم المعرفة، مارس 1990، 496 ص.
عرض وتحليل
محمد حسن يوسف
يجيب هذا الكتاب عن التساؤل: أين تقف الرأسمالية المعاصرة؟ وأين يقف العالم المعاصر؟ ومن هنا يطل الكتاب على التغيرات الكبرى التي شملت الرأسمالية. فإذا كانت قاعدة الرأسمالية قد تقلصت جغرافيا خلال القرن الماضي، فإنها قد أثبتت أنها أكثر قدرة على الحياة مما كان يتصور خصومها، حيث تغلبت على أخطر التناقضات في اللحظة المناسبة. وهكذا نواجه الآن رأسمالية معاصرة تتميز بالاستجابة الحيوية لمقتضيات العصر، استطاعت أن تجدد قواها الإنتاجية وأن تعيد تنظيم علاقاتها الإنتاجية حتى لا تفلت من سيطرتها، كما استطاعت أن تستعيد أكثر مستعمراتها القديمة - رغم استقلالها - أطرافا لمراكز الرأسمالية الرئيسية.
وينقسم هذا الكتاب إلى ستة أبواب رئيسية، هي: رأسمالية الثورة العلمية والتكنولوجية - رأسمالية متخطية للقوميات - رأسمالية قادرة على التكيف - هيئة الرأسمالية المالية - إعادة نشر الصناعة والزراعة عالميا - دورة الأعمال الجديدة. ونستعرض هذه الأبواب فيما يلي:
1-رأسمالية الثورة العلمية والتكنولوجية:
إذا كان صحيحا أن الرأسمالية قد مرت على التوالي بمراحل الرأسمالية التجارية، فالرأسمالية الصناعية، فالرأسمالية المالية، فإنها تمر الآن بمرحلة ما بعد الصناعة. ولا يعني ذلك أن الرأسمالية تخلت عن التجارة أو الصناعة أو المال، وإنما يعني أن الرأسمالية المعاصرة قد تجاوزت ذلك كله إلى مرحلة أرقى من تطوير قوى الإنتاج استنادا إلى العلم والتكنولوجيا، فيما صار يُعرف باسم الثورة العلمية والتكنولوجية.
وينقسم هذا الباب إلى أربعة فصول، في الفصل الأول، دلالة الثورة العلمية والتكنولوجية، يقول المؤلف: إن الثورة العلمية والتكنولوجية تعتبر وريثة التقدم الذي حدث في مجال تطوير قوى الإنتاج على أيدي الرأسمالية. وهي لا تختلف في ذلك عن الثورة الصناعية التي لم تحدث فجأة، بل كانت نتيجة مسار تكنولوجي طويل بدأ في أوربا الغربية منذ أواخر القرون الوسطى وتُوج في انجلترا، حيث تناول في آنٍ واحد تحسينات كبيرة في وسائل الإنتاج الزراعي على أيدي الإقطاعيين، وتحسينات أخرى في وسائل الإنتاج الحرفي على أيدي الحرفيين أنفسهم. غير أن أمور التقدم التكنولوجي الزراعي والصناعي ظلت بعيدة عن تطوير العلوم ذاتها حتى أواسط القرن التاسع عشر، ولذلك لم تحدث الثورة العلمية والتكنولوجية إلا خلال القرن العشرين عن طريق تطبيق الاكتشافات العلمية في مجال الكيمياء والذرة والإلكترون.
من هنا يتمثل جوهر الثورة العلمية والتكنولوجية في مبدأ الأتوماتية، ويمثل هذا المبدأ بدوره اللقاء المباشر بين العلم والإنتاج، وتهميش عمل الإنسان. أي أن الأتوماتية تعني إدماج المراحل الإنتاجية للسلعة المعينة في سلسلة متصلة على نحو آلي، ودون تدخل الإنسان فيما بين هذه المراحل، فتبدو كأنها مجرد توسع في الآلية، لكنها تتضمن أكثر من مجرد الآلية التقليدية. وكما أن الآلة البخارية هي رمز الآلة، فإن الحاسب الالكتروني هو رمز الأتوماتية. إنها آلية جديدة تقوم بأعمال الرقابة والتوجيه، وتعتمد في سلوكها على ما يسمى التغذية المرتدة، أي الخبرة المستمدة من نشاطها السابق.
وفي الفصل الثاني، أبعاد الثورة العلمية والتكنولوجية، يقول المؤلف: إن الثورة العلمية والتكنولوجية تتمثل في تلك المتغيرات الثورية التي تحققت في ثلاث مجالات أساسية، هي التي تعيد الآن تشكيل وجه الحياة في كل أرجاء العالم الرأسمالي. وهذه المجالات هي:
-ثورة تكنولوجيا المعلومات: نظرا لحقيقة أن المعرفة الإنسانية تتضاعف كل ثمانية إلى عشرة أعوام، فإن هذه الظاهرة قد قادت إلى أهمية التشغيل الذاتي، أهمية الأتوماتية في معالجة المعلومات. ومن هنا تم الاندماج التدريجي بين تكنولوجيا الاتصالات وتكنولوجيا الحاسبات، فظهرت تكنولوجيا المعلومات.
-ثورة التكنولوجيا الحيوية: تُقدم التكنولوجيا الحيوية على إعادة هيكلة الجينات، أي حاملات الصفات الوراثية في الكائن الحي، ولهذا تسمى تكنولوجيا الهندسة الوراثية. وهي مجال يفتح آفاقا سحرية أمام البشرية في مجالات الزراعة والإنتاج الحيواني.
-ثورة تكنولوجيا المواد: هي الثورة الكيماوية والبتروكيماوية، حيث يتم استخراج المواد الجديدة بلا حدود بدلا من المواد الطبيعية الناضبة أو المحدودة.
والخلاصة أن الثورة العلمية والتكنولوجية تتطور حاليا في اتجاهات عديدة، وهي تخلق صناعة توليد طاقة جديدة ومواد أولية جديدة وتكنولوجيا جديدة.
وفي الفصل الثالث، النتائج الاقتصادية للثورة العلمية والتكنولوجية، يقول المؤلف: إن التغيرات الاقتصادية المترتبة على الثورة التكنولوجية جذرية وبعيدة المدى، بل إنها لم تعط حتى الآن كل نتائجها. وهي تبشر أو تنذر بإعادة هيكلة كل من:
-الاقتصاد القومي: من خلال تغيير الهيكل الصناعي، وتغيير هيكل قوة العمل، وتغيير هيكل الموارد.