فهرس الكتاب

الصفحة 5352 من 27364

البديل الإسلامي في مجال الإعلام

د. عبد القادر طاش 15/2/1425

تتميز رسالة الإسلام بأنها منهج شامل للحياة بامتدادها الدنيوي والأخروي: (قُل إنَّ صَلاَتي ونُسُكِي ومَحْياي ومماتي للهِ ربِّ العالمين، لا شَريكَ له وبذلك أمِرتُ وأنا أوَّل المُسلمين) (سورة الأنعام: 162 - 163) . ولقد اعتورت المسلمين في حياتهم الحاضرة أسباب الضعف والتفكك، وعوامل الانحراف والتفلت حتى ذبل في نفوسهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي ذلك التصور الشمولي للإسلام باعتباره منهجاً للحياة، ودستوراً لحركة الإنسان والمجتمع في هذا الكون.

ولعل من نعمة الله علينا - نحن المسلمين - أن تشهد الساحة الإسلامية في الآونة الأخيرة صحوة إسلامية مباركة، تنطلق من الإحساس بالحاجة إلى تطوير مناهج الإصلاح في حياة المسلمين، بما يتوافق مع أصالة المنهج الإسلامي باعتباره صالحاً لكل زمان ومكان أولاً، وبما يستوعب متغيرات المرحلة الراهنة التي يعيشها المسلمون ثانياً، وبما يتواءم مع الاستجابة الواقعية المبصرة للتحديات التي تواجه التطبيق العملي المتكامل للمنهج الإسلامي في واقع الحياة المعاصرة أخيراً.

وإن من المنطق - ونحن نشهد هذه الصحوة المباركة - أن ننادي بتحويل الإحساس بالحاجة إلى شمولية الإصلاح، وتكامل التطبيق للمنهج الإسلامي، إلى برنامج عمل واضح المعالم، مفصل الجوانب، يقدم البدائل الإسلامية في مختلف مجالات الحياة.

وتكتسب المطالبة بإيجاد البديل الإسلامي في ميدان الإعلام - بجانبيه النظري والتطبيقي - أهمية بالغة لما تتمتع به وسائل الاتصال الجماهيرية اليوم من مكانة خطيرة في توجيه عقليات الجماهير، وتشكيل سلوكياتها في الحياة، في عالم تحول إلى (قرية كونية) ، قصرت وسائل الاتصال الالكترونية المسافات بين أجزائه، وربطت شبكةً معقدة من الاتصالات بين دوله وشعوبه، بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية كله.

إن وسائل الاتصال الجماهيرية تعد اليوم الجهاز المركزي الذي يوجه الفرد والمجتمع، ولذلك فإنَّ صياغة منهج للإعلام الإسلامي يعمل على سد الفراغ الهائل في منظومات المنهج الإسلامي ليعتبر ضرورة ملحّة، حتىّ يمكن بلورة أنموذج جديد للإصلاح الإسلامي يقوم على الشمول والتكامل والواقعية.

وهذه الإضاءات المتواضعة محاولة لطرح بعض التساؤلات الحيوية حول الإعلام الإسلامي، ومفهومه، ودوره ومسؤوليته، في وقتٍ نحن في مسيس الحاجة فيه إلى جلاء صورته، وتحديد معالمه، والكشف عن كنوزه وذخائره، والتخطيط من أجل تحويله إلى واقع حيّ، يتعانق فيه القولُ مع العمل، وتتلاحم فيه النظرية بالتطبيق. وتتركز الإضاءات التي أحاول تسليطها حول ثلاثة تساؤلات هي:

-لماذا نحتاج إلى الإعلام الإسلامي؟

-وما الإعلام الإسلامي الذي نريد؟

-وكيف نصل إلى الإعلام الإسلامي؟

لماذا الإعلام الإسلامي؟

إنَّ المطلب القّيم لا بد أن تتوافر له مبرّرات قوية ومقنعة، تسّوغ تبنيه بإخلاص، وتدفع إلى الدعوة إليه بإلحاح، وتقوي العزائم في سبيل تحقيقه في الواقع بلا توانٍ أو هبوط. وتستند المطالبة بأسلمة الإعلام وصياغته صياغة إسلامية إلى مبررات ثلاثة هي:

1-المبرّر المنطقّي:

لقد جاء الإسلام - كما ذكرنا سابقاً - ليكون منهجاً شاملاً للحياة كلها بجميع جوانبها ومجالاتها. وقد رسم الإسلام للإنسان معالم لنظمه الاجتماعية المختلفة، لتتوافق هذه النظم مع الغاية الرئيسة لوجوده، وهي استخلاف الله له في الأرض لعمارة الكون وفق منهج الله وتحقيق عبادته وحده.

وارتباط المسلم بإسلامه ليس ارتباطاً عاطفياً روحياً فحسب، بل هو - إلى جانب ذلك - ارتباط واقعي عملي من خلال تطبيق شرائع الإسلام وهديه وتعاليمه السامية وتوجيهاته الربانية في مجموعة من النظم الإسلامية التي حكمت حياة المسلمين في شؤونهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمدنية والعسكرية.

وعندما ضعف التزام المسلمين بمبادئ دينهم، وتكالبت عليهم القوى الاستعمارية التي استهدفت خلخلة التصور الشمولي للإسلام وتطبيقه في حياتهم، تحوّل ارتباط معظم المسلمين بالإسلام في العصر الحاضر إلى مجرد ارتباط عاطفي محدود، يكتفي فيه المسلم بإقامة شعائره والتعبديّة، وتزكية نفسه بالرياضيات الروحية والأخلاقية الفردية. وقد نتج عن هذا المفهوم المغلوط لحقيقة الالتزام الإسلامي أن حفلت حياة المسلمين بصور الازدواجية والتناقض بين الارتباط العاطفي بالإسلام في ميدان العباد والأخلاق الفردية، وبين الارتباط العلمي الواقعي بالمذهب المناقضة للإسلام في ميدان النظم والتشريعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

إنّ حياة المسلمين المعاصرة لن تتحقق لها الصبغة الإسلامية إلا عندما ينسجم ارتباطها العاطفي بالإسلام في الجانب العقدي والروحي والفردي مع ارتباطها العلمي والواقعي بالإسلام في الجانب التشريعي والتنظيمي. ومن هنا تكتسب الدعوة إلى صياغة المعارف والنظم في حياة المسلمين صياغة إسلامية أهمية بالغة. بل إنَّ تحقيق هذا الهدف يعتبر التحدي الحقيقي الذي ينبغي على الأمة الإسلامية أن تواجهه في وقتها الراهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت