[الكاتب: أبو بصير الطرطوسي]
وردت فتوى لبعض أهل العلم المعاصرين في الديمقراطية، جاء فيها قولهم:(الديمقراطية عند واضعيها ومعتنقيها: حكم الشعب نفسه بنفسه، وأن الشعب مصدر السلطات جميعاً، وهي بهذا الاعتبار مناقضة للشريعة الإسلامية والعقيدة، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} ، وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، وقال: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} ، وقال: {ولا يُشرك في حكمه أحداً} .
ولأن الديمقراطية نظام طاغوت، وقد أُمرنا أن نكفر بالطاغوت، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} ، وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وقال: {ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} .
فالديمقراطية والإسلام نقيضان لا يجتمعان أبداً، إما الإيمان بالله والحكم بما أنزل الله، وإما الإيمان بالطاغوت والحكم به، وكل ما خالف شرع الله فهو من الطاغوت.
ولا عبرة بمن يحاول أن يجعلها من الشورى الإسلامية، لأن الشورى فيما لا نص فيه ولأهل الحل والعقد من أهل الدين والورع، والديمقراطية بخلاف ذلك كما سبق.
والتعددية فرع عن الديمقراطية، وهي قسمان: تعددية سياسية، وتعددية فكرية عقائدية.
أما التعددية العقائدية: فمعناها أن الناس في ظل النظام الديمقراطي لهم الحرية في أن يعتقدوا ما يشاؤون، ويمكنهم الخروج من الإسلام إلى أي ملة ونحلة أخرى حتى ولو كانت يهودية أو نصرانية، أو شيوعية أو اشتراكية أو علمانية، وتلك هي الردة بعينها، قال تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم} ، وقال تعالى: {ومن يرتد منك عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ، وقال: {ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} .
وأما التعددية السياسية: فهي فتح المجال لكافة الأحزاب بغض النظر عن أفكارها وعقائدها لتحكم المسلمين عن طريق الانتخاب، وهذا فيه مساواة بين المسلم وغيره.
وهذا خلاف للأدلة القطعية التي تحرم أن يتولى المسلمين غيرهم، قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ، وقال: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} .
ولأن التعددية تؤدي إلى التفرق والاختلاف الموجب لعذاب الله، قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} ، وموجب أيضاً لبراءة الله ورسوله ممن يفعل هذا، قال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} .
ومن حاول أن يجعل هذه التعددية تعددية برامج لا مناهج، أو على غرار الخلاف المذهبي بين علماء الإسلام، فالواقع يرده، ولأن برنامج كل حزب منبثق من فكره وعقيدته، فبرنامج كل حزب منبثق من فكره وعقيدته، فبرنامج الاشتراكي منطلق من مبادئ الاشتراكية، والعلماني الديمقراطي من مبادئ الديمقراطية... وهلمَّ جرَّا.
والانتخابات السياسية بالطريقة الديمقراطية حرام أيضاً لا تجوز، لأنه لا يُشترط في المنتخَب والناخب الصفات الشرعية لمن يستحق الولاية العامة أو الخاصة، فهي بهذه الطريقة تؤدي إلى أن يتولى حكم المسلمين من لا يجوز توليته ولا استشارته، ولأن المقصود بالمنتخَب أن يكون عضواً في مجلس النواب التشريعي والمجالس النيابية التي لا تحتكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإنما تتحاكم إلى الأكثرية، فهي مجالس طاغوتية لا يجوز الاعتراف بها، فضلاً عن أن يسعى المسلم إلى إنشائها ويتعاون في إيجادها وهي تحارب شرع الله، ولأنها طريقة غربية من صنع اليهود والنصارى ولا يجوز شرعاً التشبه بهم.
ومن يقول: إنه لم يثبت في الشرع طريقة معينة في اختيار الحاكم فمن ثَمَّ فلا مانع من الانتخابات يُقال له: ليس صحيحاً أنه لم يثبت ذلك في الشرع، فما فعله الصحابة من كيفيات الاختيار للحاكم فكلها طرق شرعية. وأما طريقة الأحزاب السياسية فيكفي في المنع منها أنه لا يوضع لها ضوابط، وتؤدي إلى تولية غير المسلم وليس أحد من الفقهاء يقول بجواز ذلك) اهـ.